«فإنْ قلتَ» : لم رفع الأول وهو قوله: (أساطير الأولين) ونصب الثاني، وهو قوله (قالوا خيرا) ؟
قلت ليحصل الفرق بين الجوابين جواب المنكر الجاحد، وجواب المقر المؤمن، وذلك أنهم لما سألوا الكفار عن المنزل على النبي صلّى الله عليه وسلّم عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير الأولين وليس هو من الإنزال في شيء، لأنهم لم يعتقدوا كونه منزلا، ولما سألوا المؤمنين على المنزل على النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بيّنا مكشوفا معقولا للإنزال فقالوا: (خيرا) أي أنزل خيرا، وتم الكلام عند قوله (خيرا) فهو، وقف تام ثم ابتدأ بقوله تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ) يعني للذين أتوا بالأعمال الصالحة الحسنة ثوابها حسنة مضاعفة من الواحد إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وقال الضحاك: هي النصر والفتح. وقال مجاهد: هي الرزق الحسن. فعلى هذا يكون معنى الآية للذين أحسنوا ثواب إحسانهم في هذه الدنيا حسنة، وهي النصر والفتح والرزق الحسن، وغير ذلك مما أنعم الله به على عباده في الدنيا، ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى (وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) يعني ما لهم في الآخرة مما أعد الله لهم في الجنة خير مما يحصل لهم في الدنيا (وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ) يعني الجنة.
وقال الحسن: هي الدنيا لأن أهل التقوى يتزودون منها إلى الآخرة.
والقول الأول أولى وهو قول جمهور المفسرين لأن الله فسر هذه الدار بقوله (جَنَّاتُ عَدْنٍ) .