«فإنْ قلتَ» : (من أجل ذلك) معناه من أجل ما مر من قصة قابيل وهابيل كتبنا على بني إسرائيل.
وهذا مشكل لأنه لا مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل؟
قلت: قال بعضهم هو من تمام الكلام الذي قبله والمعنى فأصبح من النادمين من أجل ذلك أي من أجل أنه قتل هابيل ولم يواره.
ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله (من أجل ذلك) ويجعله تمام الكلام الأول فعلى هذا يزول الإشكال.
لكن جمهور المفسرين وأصحاب المعاني على أن قوله (من أجل ذلك) ابتداء كلام وليس يوقف عليه.
فعلى هذا قال بعضهم: إن قوله من أجل ذلك ليس هو إشارة إلى قصة قابيل وهابيل، بل هو إشارة إلى ما مر ما ذكره في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسب هذا القتل الحرام منها. قوله (فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ) وفيه إشارة إلى أنه حصلت له خسارة في الدين والدنيا والآخرة.
ومنها قوله: (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) وفيه إشارة إلى أنه حظر في أنواع الندم والحسرة والحزن مع أنه لا دافع لذلك ألبتة فقوله (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل) أي من أجل ذلك الذي ذكرنا في أثناء القصة من أنواع المفاسد المتولدة من القتل العمد المحرم شرعنا القصاص على القاتل.
«فإنْ قلتَ» : فعلى هذا تكون شريعة القصاص حكما ثابتا في جميع الأمم، فما الفائدة بتخصيصه ببني إسرائيل؟
قلت: إن وجوب القصاص وإن كان عامّا في جميع الأديان والملل إلا أن التشديد المذكور هاهنا في حق بني إسرائيل غير ثابت في جميع الأديان والملل لأنه تعالى حكم في هذه الآية بأن من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا ولا يشك أن المقصود منه المبالغة في عقاب قاتل النفس عدوانا وأن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل وذلك يدل على قساوة قلوبهم وبعدهم عن الله عز وجل ولما كان الفرض من ذكر هذه القصة تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما أقدم عليه اليهود بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأصحابه فتخصيص بني إسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة مناسب للكلام وتوكيد للمقصود والله أعلم بمراده.