«فإنْ قلتَ» : كيف استجاز يوسف عليه السلام أن يسجد له أبوه وهو أكبر منه وأعلى منصبا في النبوة والشيخوخة؟
قلت: يحتمل أن الله تعالى أمر بذلك لتحقيق رؤياه، ثم في معنى هذا السجود قولان:
أحدهما أنه كان انحناء على سبيل التحية كما تقدم فلا إشكال فيه، والقول الثاني أنه كان حقيقة السجود وهو وضع الجبهة على الأرض وهو مشكل لأن السجود على هذه الصورة لا ينبغي أن يكون إلا لله تعالى.
وأجيب عن هذا الإشكال بأن السجود كان في الحقيقة لله تعالى على سبيل الشكر له وإنما كان يوسف كالقبلة كما سجد الملائكة لآدم، ويدل على صحة هذا التأويل قوله (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا) وظاهر هذا يدل على أنهم لما صعدوا على السرير خروا سجدا لله تعالى ولو كان ليوسف لكان قبل الصعود لأن ذلك أبلغ في التواضع.
«فإنْ قلتَ» : يدفع صحة هذا التأويل قوله «رأيتهم لي ساجدين» وقوله «خروا له سجدا» فإن الضمير يرجع إلى أقرب المذكورات وهو يوسف عليه الصلاة والسلام؟
قلت: يحتمل أن يكون المعنى وخروا لله سجدا لأجل يوسف واجتماعهم به.
وقيل يحتمل أن الله أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية وهي أن إخوة يوسف ربما احتملتهم الأنفة والتكبر عن السجود ليوسف فلما رأوا أن أباهم قد سجد له سجدوا له أيضا، فتكون هذه السجدة على سبيل التحية والتواضع لا على سبيل العبادة، وكان ذلك جائزا في ذلك الزمان، فلما جاء الإسلام نسخت هذه الفعلة، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.