«فإنْ قلتَ» : إن اليهود إنما اختاروا السبت، لأن أهل الملل اتفقوا على أن الله خلق الخلق في ستة أيام وبدأ بالخلق والتكوين في يوم الأحد، وتم الخلق يوم الجمعة وكان يوم السبت يوم فراغ، فقالت اليهود نحن نوافق ربنا في ترك العمل في هذا اليوم، فاختاروا السبت لهذا المعنى، وقالت النصارى: إنما بدأ بخلق الأشياء في يوم الأحد فنحن نجعل هذا اليوم عيدا لنا، وهذان الوجهان معقولان فما وجه فضل يوم الجمعة حتى جعله أهل الإسلام عيدا؟
قلت: يوم الجمعة أفضل الأيام لأن كمال الخلق وتمامه كان فيه وحصول التمام والكمال يوجب الفرح والسرور، فجعل يوم الجمعة عيدا بهذا الوجه وهو أولى.
ووجه آخر وهو أن الله عز وجل خلق فيه أشرف خلقه، وهو آدم عليه السلام وهو أبو البشر، وفيه تاب عليه فكان يوم الجمعة أشرف الأيام لهذا السبب، ولأن الله سبحانه وتعالى اختار يوم الجمعة لهذه الأمة وادخره لهم، ولم يختاروا لأنفسهم شيئا، وكان ما اختاره الله لهم أفضل مما اختاره غيرهم لأنفسهم.
وقال بعض العلماء: بعث الله موسى بتعظيم يوم السبت ثم نسخ بيوم الأحد في شريعة عيسى عليه السلام ثم نسخ يوم السبت، ويوم الأحد بيوم الجمعة في شريعة محمد صلّى الله عليه وسلّم فكان أفضل الأيام يوم الجمعة، كما أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم أفضل الأنبياء.
وفي معنى الآية قول آخر قال قتادة: الذين اختلفوا فيه اليهود استحله بعضهم، وحرمه بعضهم، فعلى هذا القول يكون معنى قوله إنما جعل السبت أي وبال السبت ولعنته على الذين اختلفوا فيه، وهم اليهود فأحله بعضهم فاصطادوا فيه فلعنوا ومسخوا قردة وخنازير في زمن داود عليه السلام، وقد تقدمت القصة في تفسير سورة الأعراف، وبعضهم ثبت على تحريمه، فلم يصطد فيه شيئا وهم الناهون والقول الأول أقرب إلى الصحة.