«فإنْ قلتَ» : قد أوعدهم وهددهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا ولم يؤمنوا فلم يفعل بهم ذلك؟
قلت هذا الإشكال إنما يرد على من فسر الطمس بتغيير الوجوه ومحو تخطيطها وحمله على الحقيقة والجواب عنه إن هذا مشروط بعدم الإيمان وقد آمن منهم ناس فرفع عن الباقين.
وروي أن عبد الله بن سلام لما سمع هذه الآية جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل أن يأتي أهله فأسلم وقال: يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يحول وجهي إلى قفاي.
وكذلك روي عن كعب الأحبار أنه لما سمع هذه الآية في خلافة عمر بن الخطاب أسلم.
وقال يا رب أسلمت مخافة أن يصيبني وعيد هذه الآية، فكان هذا الوعيد مشروطا بأن لا يؤمن أحد منهم وهذا الشرط لم يوجد لأنه آمن منهم جمع كثير في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم كعبد الله بن سلام وأصحابه ففات الشرط لفوات المشروط.
وقيل إن الطمس باق في اليهود فيكون فيهم طمس ومسخ قبل يوم القيامة.
وقيل إنه تعالى جعل الوعيد بأحد شيئين إما بالطمس أو باللعنة وهو قوله تعالى: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ) أي نجعلهم قردة كما فعلنا بأوائلهم.
وفي المراد من لعنهم الطرد والإبعاد من الرحمة والكناية في نلعنهم تعود إلى المخاطبين في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) وهذا على طريقة الالتفات كما في قوله تعالى: (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وجرين بهم بريح طيبة)
وقد يحتمل أن يكون معناه من قبل أن نطمس وجوها فنردها ونلعن أصحاب الوجوه فنجعل الكناية في قوله (أو نلعنهم) عن ذكر أصحاب الوجوه إذا كان في الكلام دلالة عليهم.