قوله تعالى: (ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ)
اختلفوا في قوله (ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) على قولين:
أحدهما: أنه من قول المرأة ووجه هذا القول أن هذا كلام متصل بما قبله وهو قول المرأة الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين، ثم قالت: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) والمعنى ذلك ليعلم يوسف أني لم أخنه في حال غيبته وهو في السجن ولم أكذب عليه بل قلت أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين وإن كنت قد قلت فيه ما قلت في حضرته، ثم بالغت في تأكيد هذا القول فقالت (وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ) يعني أني لما أقدمت على هذا الكيد والمكر لا جرم أني افتضحت لأن الله لا يرشد ولا يوفق كيد الخائنين.
والقول الثاني: أنه من قول يوسف عليه الصلاة والسلام وهذا قول الأكثرين من المفسرين والعلماء.
ووجه هذا القول أنه لا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة عليه فعلى هذا يكون معنى الآية أنه لما بلغ يوسف قول المرأة (أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين) قال يوسف (ذلك) أي الذي فعلت من ردي رسول الملك إليه (ليعلم) يعني العزيز (أني لم أخنه) في زوجته (بالغيب) يعني في حال غيبته، فيكون هذا من كلام يوسف اتصل بقول امرأة العزيز (أنا راودته عن نفسه) من غير تمييز بين الكلامين لمعرفة السامعين لذلك مع غموض فيه لأنه ذكر كلام إنسان ثم أتبعه بكلام إنسان آخر من غير فصل بين الكلامين، ونظير هذا قوله تعالى: (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ)
هذا من قول الملأ، (فماذا تأمرون) من قول فرعون ومثله قوله تعالى: (وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً) هذا من قول بلقيس (وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) من قوله عز وجل تصديقا لها، وعلى هذا القول اختلفوا أين كان يوسف حين قال هذه المقالة على قولين أحدهما أنه كان في السجن، وذلك أنه لما رجع إليه رسول الملك وهو في السجن وأخبره بجواب امرأة العزيز للملك قال حينئذ (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) وهذه رواية أبي صالح عن ابن عباس وبه قال ابن جريج.
والقول الثاني: إنه قال هذه المقالة عند حضوره عند الملك وهذه رواية عطاء عن ابن عباس.
«فإنْ قلتَ» : فعلى هذا القول كيف خاطبهم بلفظة ذلك وهي إشارة للغائب مع حضوره عندهم.
قلت قال ابن الأنباري قال اللغويون هذا وذلك يصلحان في هذا الموضع لقرب الخبر من أصحابه فصار كالمشاهد الذي يشار إليه بهذا وقيل ذلك إشارة إلى ما فعله يقول ذلك الذي فعلته من ردي الرسول ليعلم أني لم أخنه بالغيب أي لم أخن العزيز في حال غيبته ثم ختم هذا الكلام بقوله (وأن الله لا يهدي كيد الخائنين) يعني أني لو كنت خائنا لما خلصني الله من هذه الورطة التي وقعت فيها لأن الله لا يهدي أي لا يرشد ولا يوفق كيد الخائنين.
واختلفوا في قوله: (وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي)
على قولين أيضا:
أحدهما: أنه من قول المرأة وهذا التفسير على قول من قال إن قوله (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) من قول المرأة فعلى هذا يكون المعنى وما أبرئ نفسي من مراودتي يوسف عن نفسه وكذبي عليه.
والقول الثاني: وهو الأصح وعليه أكثر المفسرين أنه من قول يوسف عليه الصلاة والسلام وذلك أنه لما قال (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) قال له جبريل ولا حين هممت بها؟ فقال يوسف عند ذلك (وما أبرئ نفسي) وهذه رواية عن ابن عباس أيضا، وهو قول الأكثرين.
وقال الحسن إن يوسف لما قال (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) خاف أن يكون قد زكى نفسه فقال (وما أبرئ نفسي) لأن الله تعالى قال (فلا تزكوا أنفسكم) ففي قوله (وما أبرئ نفسي) هضم للنفس وانكسار وتواضع لله عز وجل، فإن رؤية النفس في مقام العصمة والتزكية ذنب عظيم، فأراد إزالة ذلك عن نفسه فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين.