«فإنْ قلتَ» : كيف قال (ومخرج الميت من الحي) بلفظ اسم الفاعل بعد قوله «يخرج الحي من الميت» وما السبب في عطف الاسم على الفعل؟
قلت: قوله وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ عطف على قوله: (فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى وقوله:(يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) كالبيان والتفسير لقوله فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى لأن فلق الحب والنوى واليابس وإخراج النبات والشجر منه من جنس إخراج الحي من الميت لأن النامي من النبات في حكم الحيوان وقوله ذلِكُمُ اللَّهُ يعني ذلكم الله المدبر الخالق الصانع لهذه الأشياء المحيي المميت لها فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ يعني فأنى تصرفون عن الحق فتعبدون غير الله الذي هو خالق الأشياء كلها وفيه دليل أيضا على صحة البعث بعد الموت لأن القادر على إخراج البدن من النطفة قادر على إخراجه من التراب للحساب قوله تعالى: (فالِقُ الْإِصْباحِ) أي شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده والإصباح مصدر سمي به الصبح. وقال الزجاج: الإصباح والصبح واحد وهما أول النهار.
«فإنْ قلتَ» : ظاهر الآية يدل على أنه تعالى فلق الصبح، والظلمة هي التي تنفلق بالصبح فما معنى ذلك؟
قلت: ذكر العلماء فيه وجوها:
الأول: أن يكون المراد فالق ظلمة الصبح وذلك لأن الصبح صبحان: فالصبح الأول هو البياض المستطيل الصاعد في الأفق كذنب السرحان وهو الذئب ثم تعقبه ظلمة بعد ذلك ويسمى هذا الصبح الفجر الكاذب لأنه يبدو في الأفق الشرقي ثم يضمحل ويذهب ثم يطلع بعده الصبح الثاني، وهو الضوء المستطير في جميع الأفق الشرقي ويسمى الفجر الصادق لأنه ليس بعده ظلمة والحاصل من هذا أن يكون المعنى: فالق ظلمة الصبح الأول بنور الصبح الثاني.
الوجه الثاني: أنه تعالى كما شق ظلمة الليل بنور الصباح فكذلك يشق نور الصبح بضياء النهار فيكون معنى قوله: (فالِقُ الْإِصْباحِ) أي فالق الصباح بنور النهار.
الوجه الثالث: أن يراد فالق ظلمة الإصباح وهي الغبش في آخر الليل الذي يلي الصبح.
الوجه الرابع: أن يكون المعنى فالق الإصباح الذي هو عمود الفجر إذا انصدع الفجر وانفلق وسمي الفجر فلقا بمعنى مفلوق.
الوجه الخامس: الفلق بمعنى الخلق يعني خالق الإصباح، وعلى هذا القول يزول الإشكال.
والصبح هو الضوء الذي يبدو أول النهار.
والمعنى أنه تعالى مبدي ضوء الصبح وخالقه ومنوره.