«فإنْ قلتَ» : اليوم عبارة عن مقدار من الزمان وذلك المقدار هو من طلوع الشمس إلى غروبها فكيف قال (في ستة أيام) ولم يكن شمس ولا سماء قلت معناه في مقدار ستة أيام فهو كقوله (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا) يعني على مقادير البكر والعشي في الدنيا لأن الجنة لا ليل فيها ولا نهار.
«فإنْ قلتَ» : إن الله عز وجل قادر على أن يخلق جميع الخلق في لحظة واحدة ومنه قوله تعالى: (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) فما الفائدة في خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وما الحكمة في ذلك؟
قلت: إن الله سبحانه وتعالى، وإن كان قادرا على خلق جميع الأشياء في لحظة واحدة، إلا أنه تعالى جعل لكل شيء حدا محدودا ووقتا معلوما فلا يدخل في الوجود إلا في ذلك الوقت والمقصود من ذلك تعليم عباده التثبت والتأني في الأمور.
وقال سعيد بن جبير: كان الله عز وجل قادرا على خلق السماوات والأرض في لمحة ولحظة فخلقهن في ستة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأني في الأمور كما في الحديث «التأني من الله والعجلة من الشيطان» .
وقيل: إن الشيء إذا أحدث دفعة واحدة فلعله أن يخطر ببال بعضهم أن ذلك الشيء إنما وقع على سبيل الاتفاق، فإذا أحدث شيئا بعد شيء على سبيل المصلحة والحكمة كان ذلك أبلغ في القدرة وأقوى في الدلالة.
وقيل: إن الله تعالى أراد أن يوقع في كل يوم أمرا من أمره حتى تستعظمه الملائكة وغيرهم ممن شاهده.
وقيل إن التعجيل في الخلق أبلغ في القدرة وأقوى في الدلالة، والتثبت أبلغ في الحكمة فأراد الله تعالى إظهار حكمته في خلق الأشياء بالتثبت كما أظهر قدرته في خلق الأشياء بـ (كن فيكون) .