«فإنْ قلتَ» : كيف قال في أول الآية (إن الذين آمنوا) وقال في آخرها (من آمن بالله) فما فائدة التعميم أولا ثم التخصيص آخرًا؟
قلت: اختلف العلماء في حكم الآية فلهم فيه طريقان:
أحدهما أنه أراد أن الذين آمنوا على التحقيق ثم اختلفوا فيهم فقيل هم الذين آمنوا في زمن الفطرة وهم طلاب الدين مثل حبيب النجار وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل وبحيرا الراهب وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي، فمنهم من أدرك النبي صلّى الله عليه وسلّم وتابعه ومنهم من لم يدركه فكأنه تعالى قال: إن الذين آمنوا قبل مبعث النبي صلّى الله عليه وسلّم والذين كانوا على الدين الباطل المبدل من اليهود والنصارى والصابئين من آمن منهم بالله واليوم الآخر وبمحمد صلّى الله عليه وسلّم فلهم أجرهم عند ربهم.
وقيل: هم المؤمنون من الأمم الماضية.
وقيل: هم المؤمنون من هذه الأمة والذين هادوا يعني الذين كانوا على دين موسى ولم يبدلوا والنصارى الذين كانوا على دين عيسى ولم يغيروا والصابئين يعني في زمن استقامة أمرهم من آمن منهم ومات وهو مؤمن لأن حقيقة الإيمان تكون بالوفاة.
وأما الطريقة الثانية فقالوا إن المذكورين بالإيمان في أول الآية إنما هو على طريق المجاز دون الحقيقة وهم الذين آمنوا بالأنبياء الماضين ولم يؤمنوا بك.
وقيل: هم المنافقون الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم واليهود والنصارى والصابئون، فكأنه تعالى قال هؤلاء المطلوبون كل من آمن منهم الإيمان الحقيقي صار مؤمنا عند الله.
وقيل: إن المراد من قوله إن الذين آمنوا يعني بمحمد صلّى الله عليه وسلّم في الحقيقة حين الماضي، ثبتوا على ذلك في المستقبل وهو المراد من قوله تعالى: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا)