«فإنْ قلتَ» : الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل؟
قلت: أراد بقوله ليلا بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء وأنه أسري به في بعض ليلة من مكة إلى الشام مسيرة شهر أو أكثر، فدل تنكير الليل على البعضية.
* «فإنْ قلتَ» : لفظة من في قوله (من آياتنا) تقتضي التبعيض، وقال في حق إبراهيم عليه السلام (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض) وظاهر هذا يدل على فضيلة إبراهيم عليه السلام على محمد صلّى الله عليه وسلّم، ولا قائل به فما وجهه؟
قلت: ملكوت السماوات والأرض من بعض آيات الله أيضا، ولآيات الله أفضل من ذلك وأكثر، والذي أراه محمدا صلّى الله عليه وسلّم من آياته وعجائبه تلك الليلة كان أفضل من ملكوت السماوات والأرض، فظهر بهذا البيان فضل محمد صلّى الله عليه وسلّم على إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم.
* «فإنْ قلتَ» : كيف رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم موسى يصلي في قبره، وكيف صلى بالأنبياء في بيت المقدس ثم وجدهم على مراتبهم في السماوات، وسلموا عليه وترحبوا به وكيف تصح الصلاة من الأنبياء بعد الموت، وهم في الدار الآخرة؟
قلت: أما صلاته صلّى الله عليه وسلّم بالأنبياء في بيت المقدس يحتمل أن الله سبحانه وتعالى، جمعهم له ليصلي بهم ويعرفوا فضله وتقدمه عليهم، ثم إن الله سبحانه وتعالى أراه إياهم في السماوات على مراتبهم ليعرف هو مراتبهم، وأما مروره بموسى وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر، فيحتمل أنه كان بعد رجوعه من المعراج، وأما صلاة الأنبياء وهم في الدار الآخرة فهم في حكم الشهداء بل أفضل منهم، وقد قال الله سبحانه وتعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء) فالأنبياء أحياء بعد الموت، وأما حكم صلاتهم فيحتمل أنها الذكر والدعاء وذلك من أعمال الآخرة فإن الله تعالى قال (دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ)
وورد في الحديث أنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، ويحتمل أن الله سبحانه وتعالى خصّهم بخصائص في الآخرة كما خصهم في الدنيا بخصائص لم يخص بها غيرهم.
منها أنه صلّى الله عليه وسلّم أخبر أنه رآهم يلبون، ويحجون، فكذلك الصلاة، والله أعلم بالحقائق.