فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 545

«فإنْ قلتَ» : الاعتراف بالذنب هل يكون توبة أم لا؟

قلت: مجرد الاعتراف بالذنب لا يكون توبة فإذا اقترن الاعتراف بالندم على الماضي من الذنب والعزم على تركه في المستقبل يكون ذلك الاعتراف والندم توبة.

وقوله سبحانه وتعالى: (خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا)

قيل: أراد بالعمل الصالح إقرارهم بالذنب وتوبتهم منه والعمل السيئ هو تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: العمل الصالح هو خروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سائر الغزوات والسيئ هو تخلفهم عنه في غزوة تبوك.

وقيل: إن العمل الصالح يعم جميع أعمال البر والطاعة والسيئ ما كان ضده فعلى هذا تكون الآية في حق جميع المسلمين والحمل على العموم أولى وإن كان السبب مخصوصا بمن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك.

وروى الطبري عن أبي عثمان قال ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله وآخرون اعترفوا بذنوبهم.

«فإنْ قلتَ» : قد جعل كل واحد من العمل الصالح والسيئ مخلوطا فما المخلوط به؟

قلت: إن الخلط عبارة عن الجمع المطلق فأما قولك خلطته فإنما يحسن في الموضع الذي يمتزج كل واحد من الخليطين بالآخر ويتغير به عن صفته الأصلية كقولك خلطت الماء باللبن وخلطت الماء واللبن فتنوب الواو عن الباء، فيكون معنى الآية على هذا خلطوا عملا صالحا بآخر ذكره غالب المفسرين، وأنكره الإمام فخر الدين الرازي.

وقال: اللائق بهذا الموضع الجمع المطلق لأن العمل الصالح والعمل السيئ إذا حصلا معا بقي كل واحد منهما على حاله كما هو مذهبنا فإن عندنا القول بالإحباط باطل فالطاعة تبقى موجبة للمدح والثواب والمعصية تبقى موجبة للذم والعقاب فقوله سبحانه وتعالى (خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) فيه تنبيه على نفي القول بالمحابطة وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر فليس إلا الجمع المطلق.

وقال الواحدي: العرب تقول خالطت الماء باللبن وخلطت الماء واللبن، كما تقول جمعت زيدا وعمرا. والواو في الآية أحسن من الباء لأنه أريد معنى الجمع لا حقيقة الخلط.

ألا ترى أن العمل الصالح لا يختلط بالسيء كما يختلط الماء باللبن لكن قد يجمع بينهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت