قوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها)
«فإنْ قلتَ» : في الآية إشكالان:
أما الأول فهو أنه قال: (تلك حدود الله) وهو إشارة إلى ما تقدم من الأحكام وبعضها فيه إباحة وبعضها فيه حظر فكيف قال في الجميع فلا تقربوها؟
الإشكال الثاني هو أنه تعالى قال في هذه الآية: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها وقال في آية أخرى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وقال في آية أخرى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ فكيف الجمع بين هذه الآيات؟
قلت: الجواب عن السؤالين من وجهين:
أما الإشكال الأول، فجوابه أن الأحكام التي تقدمت فيما قبل، وإن كانت كثيرة إلّا أن أقربها إلى هذه الآية قوله تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ) وذلك يوجب تحريم الجماع في حال الاعتكاف، وقال قبلها: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) وذلك يوجب تحريم الأكل والشرب في النهار فلما كان الأقرب إلى هذه الآية جانب التحريم قال (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها) .
والجواب عن الإشكال الثاني أن من كان في طاعة الله تعالى والعمل بفرائضه فهو منصرف في حيزي الحق فنهي أن يتعداه فيقع في حيز الباطل ثم بولغ في ذلك فنهي أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل لئلا يداني الباطل فيقع فيه فهو كقوله صلّى الله عليه وسلّم «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه» وقيل أراد بحدوده هنا محارمه ومناهيه لقوله: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ) ونحو هذا التحريم فهي حدود لا تقرب.