ذلك لبراعة منهم في العلم تقدمت، ظهر لهم معها الاحتياج إليهم فحدثوا قبل ذلك، أو لأنهم سُئلوا ذلك إما بصريح السؤال وإما لقرينة الحال [1] .
وأما السنّ الذي بلغه المحدث أمسك عن التحديث فهو السن الذي يخشى عليه فيه من الهرم والخرف ويخاف عليه فيه أن يخلّط ما ليس من حديثه، والناس في بلوغ هذه السن يتفاوتون بحسب اختلاف أحوالهم، وهكذا إذا عمى وخاف أن يدخل عليه ما ليس من حديثه فليمسك عن الرواية.
وقال الرامهرمزي: أعجب إليَّ أن يمسك في الثمانين لأنه حد الهرم، فإن كان عقله ثابتًا ورأيه مجتمعًا يعرف حديثه ويقول به وتحري أن يحدث احتسابًا رجوت له خيرًا [2] .
ووجه ابن الصلاح ما قاله الرامهرمزي أن من بلغ الثمانين ضعف حاله في الغالب كما اتفق لغير واحد من الثقات كعبد الرزاق وسعيد بن أبي عروبة.
وقال ابن الصلاح: وقد حدث خلق بعد مجاوزة هذا السن فساعدهم التوفيق وصحبتهم السلامة، منهم: أنس بن مالك وسهل بن سعد وعبد الله بن أبي أوفى من الصحابة، ومالك والليث وابن عيينة وعلي بن الجعد في عدد جمّ من المتقدمين والمتأخرين.
وفيهم غير واحد حدثوا بعد استيفاء مئة سنة، منهم: الحسن بن عرفة وأبو القاسم البغوي وأبو إسحاق الهجيمي والقاضي أبو الطيب الطبري وغيرهم [3] .
(1) -المصدر السابق ص 214 - 215.
(2) - ابن الصلاح ص 215، وانظر: المحدث الفاضل ص 354.
(3) - علوم الحديث ص 215 - 216.