وثالثًا: لأن السلف الأولين لم يكونوا خَدمةَ جنسٍ, أو لونٍ, ولا رسلَ شعبٍ أو وطن , يَسعون لرفاهيتِه ومصلحتِه وحدَه , ولم يخرجوا ليؤسِسُوا إمبراطوريةً عربية , ينعمون ويهنأوون في ظلها , ويشمخونَ, ويتكبرون تحتَ حمايتهِا , ولم يخرجوا من ديارهِم أشرًا وبطرًا, ورئاءَ الناس , وإنما خرجوا لإقامةِ دولةِ الإسلام , وإخراجِ العباد من عبادةِ العباد إلى عبادةِ الله وحده , ولم يكن أسلافُنا ينظرونَ لهذه الحياة كقفصٍ من حديد , فيعادونُه ويكسرونه , كما أنهم في الوقتِ نفسه, لا ينظرون إليها كفرصةٍ من لهوٍ ونعيم لا تعودُ أبدا. فينتهزونها ويهتمون بها , بكل شغفٍ وجنون , فلا يُضيعون ساعةً واحدة دون عربدةٍ أو مجون , لذا كان ظهورُ المدينِة الإسلامية , بروحهِا وأصالتهِا , وقيامُ الدولةِ الإسلامية بشكلهِا ونظامها , فصلًا جديدا في تاريخِ الأديانِ والأخلاق , وظاهرةً عجيبة في عالم ِالسياسةِ, والاجتماع , انقلبَ به تيارُ المدنية رأسًا على عقب , واتجهتْ به الدنيا اتجاهًا جديدًا , لم يُعهدْ له مثيلٌ في تاريخِ الأممِ والشعوب , على مرِّ الدهورِ والأزمان , فكانت المدنيةُ الإسلامية , والفتحُ الإسلاميُ الكبير , منحةً عظيمةً للجاهليةِ المُتخبطةِ , والإنسانيةِ الحيرى , وجدتْ فيها نجاةً وسعادة , وروحًا ومادة , وحياةً وقوة , ودينًا ودولة , وحكومة وسياسة , وكان الإسلامُ الضاربُ بجراره فوقَ الأرض, دينًا عظيمًا بحق , ومنهجًا قويمًا بصدق , كلُهُ حكمةٌ وعدالة , إزاء أوهامٍ وخرافاتْ كانت سائدة , وكله شرعٌ ووحي إزاءَ أقيسةٍ وتجارب , وتشريعاتٍ بشريةٍ هزيلة , كانتْ جاثمةً فوقَ الصدور , وإذا بالجاهليةِ الفاضحة تتحول ببركة الإسلام , إلى مدينةٍ فاضلة , قويةِ البنيان محكمةِ القواعد , يسودُها التقوى والورع , والعفةُ والأمانة , وتَسمو الأخلاقُ والآداب فوقَ المالِ والجاه , والمنصبِ والمكانة , ويتساوى الناسُ , فلا يتفاضلون إلا
بالتقوى , ولا يتمايزون إلا بالدين والقيم , ويهتمُ الناس بالآخرة , فتصبح النفوسُ مطمئنة , والقلوبُ خاشعة , ويقلُ التكالبُ على جمعِ الحطام , والتنافسُ من أجلِ السراب , كلُ ذلك وأكثر , تحقق للجاهليةِ حينما تغشّاهَا الإسلام , وحطّمَ عروشَها المتصدعة , وبنيانهَا المهتز , بعد أن كانت مدنيةً صاخبة , مضطربةً متناحرة , يسودُها الظلم , وتعلوهُا الكآبة , ويلفُها البغضُ والكراهية , ويتخللُها الفجورُ والطغيان , والترفُ والمتعةُ الحرام , حتى أصبحت تلك المدنيةُ الزائفة , جحيما لا يطاق , وسعيرا لا ُيحتمل , كما قدم المسلمون للعالم كذلك , حكومةً عاملة , تساوي بين رعاياها , فلا يُقدَّمُ ذو حسبٍ لحسبه , ولا ذو نسبٍ لنسبه , ولا مزيةَ لأسرة من الأسر , ولا لقبيلةٍ من القبائل , ولا لعشيرة من العشائر , فالكل متساوون في الفرص , متعادلون في الحقِ الواجب , والثواب والعقاب , وهي حكومةٌ كذلك , تحرسُ الناسَ في أخلاقهِم وأعراضهم , وقيمهِم ومبادئهِم تمامًا , كما تحرسُهم في بيوتهمِ وأموالهِم , ودماءهم وأرواحهم , وذلك كلهُ في مقابلِ حكوماتٍ جاهلية كانت سائدة من قبل , عم فيها الجورُ والعدوان , والشرُ والطغيان , وتواضَع رجالهاُ على الخيانةِ والظلم , والسرقةِ والغلول , ونشرت تلك الحكوماتْ المتسلطة أسبابَ الرذيلة , وهيأتْ سُيل الغواية,