فهرس الكتاب
بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه. والله! لَيُتِمَّنَّ هذا الأمر حتى يَسير الراكب من صنعاءَ إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)
ولذلك أريد أبيّن أن بعض مشاهد الواقع عندما يأذن الله - عز وجل - بأن تعود فئة من الأمة إلى ربها، وأن يسوق لها من الأحداث والمحن من يذكرها بحقيقة ضعفها وتقصيرها في إلتزامها دين الله - سبحانه وتعالى- أن ذلك يجسّد مره أخرى هذه المعادلة الإيمانية والسنة الربانية.
وانظروا إلى أحداث الأمة وإلى أشدّ قضاياها قساوة ومعاناة.. انظروا إلى كل الجرائم والفضائع التي تصبّ على المسلمين.. انظروا إلى بشاعة وفضاعة وقسوة أعداء دين الله - عز وجل -، ثم انظروا إلى ما انبثق في القلوب من صبره وما سكب ا لله عزوجل فيها من يقين، وما ثبت به الأقدام فلم تتزعزع والقلوب فلم تشك ولم ترتاب.
ثم انظروا إلى بعض الصور في هذه الوقائع: انظروا إلى إخواننا في البوسنة والهرسك.. انظروا إلى إخواننا في كشمير، إلى إخواننا في طاجكستان وفلسطين.. انظروا إلى شرق الأرض وغربها حيث يضطهد المسلمون، حيث يعذبون، حيث يحاربون.
انظروا.. فماذا ترى؟ قد يرى الرائي إذا نظر بغير منظار إيمان صورة سوداء أو شوهاء، ويدقّ في قلبه بأس عجيب، ويظن أن الأمر قد قضي، وأن الأمة لابد أن تتراجع وأن تتخاذل، وأن تعطي لأعدائها ما يشاؤون!
إلا أن الناظر بنظر الأيمان يرى مثل هذه الصور تتجلى من جديد.. إخواننا في البوسنة والهرسك الذين ظن الأعداء - الذين تكالبوا عليهم بصورة تشبه بل قد تكون أشد مما تكالب الأعداء يوم الأحزاب على النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاءهم صرب وكروات، ومن ورائهم قوي عظمى، ومن ورائهم دول، ومن ورائهم حيل وسياسات ومؤامرات.. ومع ذلك مازال صمودهم وثباتهم بحمد الله - عز وجل - راسخًا! بل قد رجع كثير منهم إلى الله - عز وجل -، وأصبح لسان حالهم يردد: {إنا لله وإنا إليه راجعون} ، وأصبح حالهم كأنه يمضى إلى تحقيق الوصف الرباني {وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا} .
ولسان حالهم يذكرنا بما قص الله علينا من شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحابته رضوان الله عليهم: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} .
هل ترونهم ينظرون إلى مدد من شرق أو غرب وهل تروهم يعتمدون على قوة مادية أو عسكرية.
ومع ذلك انظروا على ما فتح الله عليهم ومن النصر والإيمان، وقبل ذلك إلى ما سكب في قلوبهم من اليقين والطمأنينة، ومن رجوعهم إلى ربهم وصلتهم بمولاهم، وخضوعهم له - سبحانه وتعالى-..