وعلى ضوء هذه الآيات الكريمة يتكشف لنا ما في كثرة الحديث عن المقاومة سواء في فلسطين وأيضًا العراق من مبالغة شديدة في إنجازاتها أو في النصر الذي تحققه أو في وصف أدائها وفزع الأعداء منها، والاعتراض ليس على ذلك فأغلبه صحيح بإذن الله، لكن الاعتراض على خلو الخطاب الذي يتناول المقاومة من النقد وبيان الأخطاء وكشف العيوب والزلات، فكل ما تقوم به المقاومة حكيم وكل ما تنفذه ناجح، وأي خطأ أو إخفاق يوصف على الفور بأنه ' تكتيك '، مع أن الله - تعالى -يقول: [وتلك الأيام نداولها بين الناس] يعني ليس هناك من حرج في الإقرار بإخفاق أو فشل بل قد يكون ذلك لحكمة ربانية كما ذكر ابن القيم..
والعجيب أن يُسقط البعض في هذا المقام النتائج الموضوعية للأرقام بجرأة مدهشة فيرفض إثبات دلالاتها، وكأن الأرقام تستخدم فقط لإثبات خسائر العدو وإنجازات المقاومة أما عند الحديث عن أي تراجع في أدائها أو تفوق للعدو يأتي الرد على الفور، إنه ' تكتيك '، والأمر المثير للحيرة أن موقع حركة حماس على الإنترنت يحفل بمثل هذه الأرقام والإحصاءات التي تبين مسار الانتفاضة، ويحلل رموز الحركة الأسباب التي أدت إلى تراجع العمليات الاستشهادية دون أي حرج أو تكلف، فلماذا يأتي الحرج من غيرهم؟..
والطريف أن هكذا أسلوب تحويل التراجعات إلى تكتيكات - يمكن للإدارة الأمريكية على سبيل المثال أن تستخدمه لإقناع الرأي العام الأمريكي أن ما يحدث في العراق ليس خسارة، بل هو مجرد تكتيك وأرقام القتلى والخسائر المادية لا تدل على أي تراجع..
ثانيا: من الأمور اللافتة أن المنظار الصحيح الذي يمكن به أن نرى بعدنا أو قربنا من النصر الحقيقي يختلف تماما عن أي منظار آخر.
وفي ذلك يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -تعليقا على غزوة أحد أيضا: ' أنه إذا امتحنهم بالغلبة والكسرة والهزيمة ذلوا وانكسروا وخضعوا فاستوجبوا منه العز والنصر، فإن خلعة النصر إنما تكون مع ولاية الذل والانكسار، قال - تعالى: [ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة] آل عمران 123، وقال: [ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم من الله شيئا] التوبة 25، فهو - سبحانه - إذا أراد أن يعز عبده ويجبره وينصره كسره أولا ويكون جبره له ونصره على مقدار ذله وانكساره ' [زاد المعاد ج 3 ص 173] .
وكلامه - رحمه الله - يعني أن الحديث عن الانكسار يتضمن في أحيان كثيرة الحديث عن قرب النصر، وعندما نستعرض الفترات الزمنية التي تسبق انتصارات المسلمين مباشرة نلاحظ تأثير حالة الانكسار التي تحدث عنها ابن القيم، فكثيرا ما يصبح النصر قريبا جدا عندما يظنه الناس بعيدا جدا [حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا جاءهم نصرنا] ، ويقول - تعالى: [أم حسبتم أن