فهرس الكتاب

الصفحة 1285 من 2003

حضر معه جيش كبير، فألقى الله - عز وجل - الرعب في قلوبهم، ورجعوا القَهْقَرَى إلى مكة، وعَدَلوا عن التوجه إلى المدينة.

أيها المسلمون، بينما كان في موقع حَمْرَاء الأسَد أُلقِي القبضُ مرّة أخرى على المشرك أبي عزّة الشاعر الذي سبق أن وقع أسيرًا في غزوة بدر الكبرى، وقد مَنّ عليه الرسول وقتئذ وأطلق سراحه بعد أن تعهّد أن لا ينظم شعرًا يحرّض فيه المشركين على مقاتلة المسلمين، إلا أن أبا عزّة الشاعر لم يلتزم بوعده وعهده، فاستمرّ في نظم الشعر ضد الإسلام والمسلمين، فأمر بقتله، فأخذ أبو عزّة الشاعر يتوسل ويتَمَسْكَن ليمنّ عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - مرة أخرى، فقال له: (( لا والله، لا تمسح عارضيك بالكعبة وتقول: خدعت محمدًا مرتين، لا يُلدغ المؤمن من جُحر واحد مرتين ) ). هذا، وتعتبر غزوة حمراء الأسد أول رد اعتبار للمسلمين عما حصل لهم في أحد.

أيها المسلمون، هذا درس بليغ للمسلمين في كل زمان ومكان بأن لا ينخدعوا بالذين ينقضون العهود والمواثيق، فالمؤمن كَيّسٌ فَطِنٌ، وليس كِيْسَ قُطْنٍ، ينبغي عليه أن لا يُلدغ من جُحر واحد مرتين. أما الأنظمة القائمة في العالم العربي والإسلامي فقد لُدِغت من جُحر واحد مرات ومرات، ولم تتعظ إلى الحين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

أيها المسلمون، لقد تمكّن رسولنا الأكرم - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام رضوان الله عليهم من تغيير الميزان لصالحهم بعد عام واحد فقط، وذلك في غزوة بدر الآخرة، وتعرف بغزوة بدر الصغرى في السنة الرابعة للهجرة، حيث عَسْكَرَ المسلمون فعلًا في موقع بدر، في حين أن المشركين لم يحضروا في المكان والزمان اللذين سبق لأبي سفيان أن حدّدهما بنفسه، وحاول أبو سفيان إخافة وإرجاف المسلمين واللعب بأعصابهم حتى لا يخرجوا إلى موقع بدر، إلا أن محاولاته قد باءت بالفشل، وإن الحرب النفسية والإشاعات لم تؤثر على المسلمين، واستمروا متوجّهين إلى مكان بدر وهم يردّدون: حسبنا الله ونعم الوكيل، فازداد المؤمنون إيمانًا مع إيمانهم.

أيها المسلمون، إذا وقع المسلم في كرب شديد فإنه يلجأ إلى الله رب العالمين داعيًا: حسبنا الله ونعم الوكيل؛ لقول رسولنا الأكرم - صلى الله عليه وسلم: (( إذا وقعتم في أمر عظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل ) )، وقد سبق وأن ردّد هذا الدعاء سيدنا إبراهيم - عليه السلام - حينما أُلقِي في النار، فكانت النار بردًا وسلامًا عليه.

أيها المسلمون، لقد خرج المسلمون فعلًا، ومكثوا في موقع بدر ثلاثة أيام، وقاموا بأعمال تجارية بأمن وأمان، ثم عادوا غانمين سالمين، ويشير الله - عز وجل - إلى ذلك بقوله:"الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" [آل عمران: 173-175] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت