قال الإمام الطبري رحمه الله:"وقوله: ولينصرن الله من ينصره 40 {الحج: 40} يقول تعالى ذكره: وليعيننّ الله من يقاتل في سبيله، لتكون كلمته العليا على عدوه، فنصر الله عبده معونته إياه، ونصر العبد ربه جهاده في سبيله، لتكون كلمته العليا" (14) .
وفي الحديث عن أبي موسى الأشعري قال:"جاء رجل إلى النبي فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله" (15) ."
وعن أبي أمامة الباهلي قال:"جاء رجل إلى النبي فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟، فقال رسول الله:"لا شيء له. فأعادها ثلاث مرات. يقول له رسول الله: لا شيء له. ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتغي به وجهه" (16) ."
وعن ابن عباس رضي الله عنهما:"أن النبي قال يوم الفتح:"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" (17) ."
فقوله:"ولكن جهاد ونية"، هي النية الصالحة في جميع الأعمال، ومنها: الجهاد، فتكون نيته إعلاء كلمة الله عز وجل (18) .
مما سبق يعلم أن من أهم جوالب النصر على الأعداء توحيد المقصد لله في الجهاد؛ لتكون كلمته سبحانه هي العليا، لا من أجل مقاصد دنيوية زائلة لا حصر لها في عالم اليوم، ومن لوازم إرادة رفعة كلمة الله في الجهاد امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ونصرة أوليائه، وكبت أعدائه.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: واشتمل طلب إعلاء كلمة الله على طلب رضاه، وطلب ثوابه، وطلب دحض أعدائه، وكلها متلازمة (19) .
وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله:"ومعلوم أن نصر الله، إنما هو باتباع ما شرعه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ونصرة رسله وأتباعهم، ونصرة دينه وجهاد أعدائه وقهرهم حتى تكون كلمته جل وعلا هي: العليا، وكلمة أعدائه هي: السفلى" (20) .
فمن نصر الله بصدق التوجه إليه سبحانه في جهاد أعدائه نصره الله القوي العزيز، ومن ينصر الله فلا غالب له.
ومن أخل بتوجهه إلى الله، وإخلاصه له، وإرادة رفعة كلمته وكله الله إلى نفسه، ومن وكل إلى نفسه لم يعن.
السبب الثاني: الثبات:
قال ابن فارس رحمه الله:"الثاء والباء والتاء كلمة واحدة، وهي دوام الشيء. يقال: ثبت ثباتًا وثبوتًا" (21) .
وثبت ثباته وثبوته: كان شجاعًا ثابت القلب، ثابتًا في قتال، أو في كلام (22) .