قال الشاعر يمدح أحدهم:
بكل أخلاق الرِّجال قد مَهَرْ
ثبتٌ إذا ما صيح بالقوم وقَرْ (23)
فالثبات ضد الزوال. وقد ثبت يثبت فهو ثابت. ورجل ثبت وثبيت في الحرب (24) ، والفرق بين الثبات والصبر مع ما فيهما من ترابط أن الصبر شجاعة الباطن وضده: الجزع، والثبات: شجاعة الظاهر، وضده: الفرار (25) ، والثبات: تابع للصبر.
قال الله جل في علاه: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا 45 {الأنفال: 45} ، فهذه الآية ذكرت أسباب النصر فبدأت بالثبات، لأنه أظهر علامات النصر، فأثبت الفريقين أغلبهما، ومايدري الذين آمنوا أن عدوهم يعاني أشد مما يعانون؛ وأنه يألم كما يألمون، ولكنه لا يرجو من الله ما يرجون، فلا مدد له من رجاء في الله يثبت أقدامه وقلبه، وأنهم لو ثبتوا لحظة أخرى، فسينخذل عدوهم وينهار، وما الذي لا يثبت أقدام المؤمنين وهم واثقون بإحدى الحسنيين: الشهادة أو النصر؟ بينما عدوهم لا يريد إلا الحياة الدنيا ولا حياة له سواها (26) .
وقال سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم 7 {محمد: 7} .
وهذا وعد من كريم صادق الوعد؛ أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال، سينصره مولاه، وييسر له أسباب النصر، من الثبات في مواطن الحرب، والثبات على الدين والثبات على الصراط يوم القيامة: ونصر الله يكون بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، وأن يقصدوا بذلك وجه الله (27) .
ولذلك كان من دعاء المؤمنين طلب الثبات، وخاصة في مواطن الحروب كما قال الله عز وجل: ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين 250 {البقرة: 250} .
وقال سبحانه: ربنا \غفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين 147 {آل عمران: 147} .
وفي مقابل الأمر بالثبات، نهى الله عز وجل عن الفرار حال الزحف، والقتال، وتوعد الفار بأليم العقاب فقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار 15 ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى"فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير 16 {الأنفال: 15، 16} ."
قال ابن كثير رحمه الله:"فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب (28) ، فإنه حرام وكبيرة من الكبائر؛ لما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما (29) ، عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله:"اجتنبوا السبع الموبقات". قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال:"الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" (30) ."