فهرس الكتاب

الصفحة 1491 من 2003

أخبار فتح القسطنطينية، والمناقب العظيمة المذكورة لفاتحيها؛ سارعوا وسارع من بعدهم إلى اقتناص الفرصة لنيل ذلك الشرف، وتسابقوا جيلًا بعد جيل، غير مبالين بالإخفاقات أو المعوقات لتحقيق وتطبيق قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:

«لتفتحن القسطنطينية؛ فلَنِعْم الأمير أميرها، ولَنِعْم الجيش ذلك الجيش!» (16) .

وقد كان هذا الحديث دافعًا ووازعًا لأمراء المسلمين في التسابق إلى فتح القسطنطينية؛ للفوز بتلك المنقبة المذكورة للجيش الذي سيفتحها.

قال بشير الخثعمي ـ راوي الحديث ـ: «فدعاني مَسْلَمة بن عبدالملك، فحدثته؛ فغزا القسطنطينية» ، وكان معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ قد وجَّه حملة بحرية إلى القسطنطينية عام 49 هـ، الموافق للعام 669 ميلادية، وقد شارك فيها جَمْعٌ من كبار الصحابة وقت ذاك، منهم عبدالله بن عمر، وعبدالله بن عباس، وأبو أيوب الأنصاري ـ رضي الله عنهم ـ ولكنَّ تلك الحملة لم تُحقق أهدافها، واستُشهِد أبو أيوب الأنصاري فيها، فبعث معاوية حملةً أُخرى عام (54هـ ـ 674م) ؛ ففتح المسلمون عددًا من المدن المحيطة بالقسطنطينية.

وحملات معاوية ـ رضي الله عنه ـ إلى القسطنطينية هي التي استشهدت فيها الصحابية الجليلة (أم حرام بنت ملحان) ؛ حيث إنها كانت قد حدَّثت عن النبي أنه قال: «رأيت قومًا من أُمتي يركبون ثَبَجَ البحر كالملوك على الأسِّرة» ، فقالت: يا رسول الله! اُدع الله أن يجعلني منهم! قال: «أنتِ منهم» (17) ؛ فأرادت أن تتحقق هذه البُشرى، فخرجت مع جيش معاوية ـ رضي الله عنه ـ لغزو القسطنطينية، فماتت هناك ودُفنت بالقرب منها.

ثم وجّه الخليفة الأموي سليمان بن عبدالملك حملةً أُخرى في جيشٍ قُوامه نحو مائة ألف جندي، على رأسهم أخوه مَسلمة بن عبدالملك، وكان ذلك عام (98هـ، 717م) ، غير أن حصار القسطنطينية لم يُفلح في فتحها هذه المرة أيضًا، رغم استمرار الحصار عامًا كاملًا. ولما جاء الخليفة عمر بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ وجد أن دولة الخلافة الإسلامية في عصره أحوج إلى جيوشها من فتح القسطنطينية؛ فأمر باستقدام القوات المرابطة حول القسطنطينية لِيُقوي بها دولة الخلافة، تاركًا هذا الفتح لجيلٍ قادم. وقد تحقق ذلك الأمر القدري في شكله الشرعي على يد السلطان العثماني (محمد الفاتح) عام (857 هـ ـ 1453م) .

هذا مثالٌ تفصيليٌّ واحد يدل على كيفية تعامل المسلمين مع أخبار الغيب من الأمور القدرية التي تتعلق بها تكاليف شرعية، وأمثلة التسابق في هذا المضمار كثيرة، ومع كل ما حدث من تسابق لفتح القسطنطينية في الأزمنة السابقة فإنها تظل تنتظر فتحًا آخر سيكون في آخر الزمان، وهو ما أخبر عنه النبي في قوله: «الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر» (18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت