فهرس الكتاب

الصفحة 1636 من 2003

لفردية التحرك الإسرائيلي في هذا الجانب، ولكن الهجمة الأمريكية الأخيرة التي أصبحت رديفًا للمخططات الإسرائيلية في كل مجالاتها، أعطت هذا الأمر بُعدًا أخطر؛ حيث أفصحت تفاصيل تلك الهجمة عن استهداف صريح للخصوصيات الثقافية للأمة باسم الحرب علي الإرهاب، وهي الحرب التي تتضمن في جانب كبير منها ما أسموه (التصدي لثقافة الإرهاب) ! وهذه الثقافة (الإرهابية) كما يزعمون، لا تعني في الحقيقة إلا التوجهات الداعية للرجوع بالأمة إلى ثوابتها المأخوذة من منهج السلف، ولهذا فإن (التوجه المنهجي السلفي) يأتي الآن في مقدمة التوجهات التي تستهدفها الحملة الأمريكية، مرة بذريعة (التشدد الحنبلي) وتارة تحت وصف (التطرف الوهابي) ومرات أخرى باسم (الأصولية الإسلامية) . فالحملة ليست قاصرة على محاربة العنف فقط، ولهذا فإن المتوقع هو أن تركز حملات التطبيع الثقافي في الحاضر والمستقبل القريب على محاربة مرتكزات التوجه المنهجي السلفي، بوجه عام لأنه يعكس هوية الأمة، إضافة إلى أنه أصبح خط الدفاع الأول عن ثوابتها، والرافد الأساس لما يمكن أن يسمى بـ (ثقافة المقاومة) في كل المجالات والساحات المستباحة في العالم الإسلامي، حيث أصبح (أهل السنة) ، هم الفصيل الوحيد الفاعل في مواجهة الهجمة الصهيونية المشتركة بين أمريكا وإسرائيل وحلفائهما.

يدل على ذلك دلالة لا تقبل الشك، ما تضمنه مشروع (الإسلام المدني الديمقراطي) الهادف في جوهره إلى إلجاء المنهج السني السلفي إلى أضيق الطرق، لإفساح المجال للبديل (الروحي) للشعوب، ممثلًا في التصوف والتشيع و (الاستنارة) !

والعجيب هنا، أن الأمريكيين الذين لا أصل لهم ولا تاريخ، يطالبوننا ـ لصالح اليهود ـ بالتخلي عن أصولنا الأصيلة اللاصقة بهويتنا وحضارتنا، والأعجب منه: أنهم يتجاوزون في الوقت نفسه عن تنامي المد (الأصولي) اليهودي في (إسرائيل) ؛ حيث تقوم دعائم هذا الكيان على منهجية ثقافية عقائدية عنصرية تعود إلى ما قبل ألفي عام، ولا تجد من يطالبها بتغيير المناهج ولا تعديل الأفكار ولا الاقتراب من قيم التسامح والعدالة وقبول الآخر، ثم إنك تعجب ـ مرة ثالثة ـ من التطبيعيين العرب الذين لا يستحي أجلافهم من المطالبة بـ (نسيان الماضي) في تراثنا، ويلمزون هذا التراث بجملته بـ (الماضوية) و (الظلامية) في حين أنهم يتعامون عن تشبث أصدقائهم الطبيعيين من الإسرائيليين بإحياء مورثاتهم الثقافية المثبتة لدعواهم التي يطلقون عليها: (الحق التاريخي) ، وهذا (الإحياء) يتضمن إعادة الاعتبار لكل ما هو عبري يهودي، ونزعه من كل ما هو عربي إسلامي، كنزع اسم فلسطين ليوضع مكانها (إسرائيل) ونزع اسم (القدس) ليوضع (أورشليم) ووضع اسم (يهودا والسامرة) بدلًا من الضفة الغربية لنهر الأردن، وإعادة تسمية المدن والقرى والآثار بأسماء عبرية. وحتى المساجد والمعابد التاريخية يجري التغيير في اسمها ورسمها لمحو رمزيتها الثقافية والحضارية، فيتحول (المسجد الأقصى) إلى (جبل الهيكل) بكل ما يعنيه ذلك من توجهات خطيرة تهدف إلى تنفيذ أكبر عملية سطو حضاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت