تسير إلا في اتجاه واحد، هو زيادة الانغماس الأمريكي في الأزمة، واشتداد العنف الدموي ضد الشعب الفيتنامي والسير نحو هزيمة في غاية القسوة للقوات الأمريكية في تلك الحرب.
ومن المفيد هنا التذكير ـ أيضًا ـ بأنَّ فكرة عدد القوات الأمريكية على الأرض وتشكيل ميليشيات تابعة أو متعاونة مع الاحتلال من قِبَل بعض العرقيات في مواجهة عرقيات أخرى، وفق استراتيجية تفريق بين الفيتناميين بعضهم عن بعض، وإجراء انتخابات داخل فيتنام وفق عملية سياسية خاضعة للاحتلال؛ لإكساب السلطات العميلة شرعية داخلية وخارجية.. كلها إجراءات واستراتيجيات جرى التقلّب فيها حتى إعلان الهزيمة أو القبول بإعلان الهزيمة والإقرار بها من خلال المفاوضات التي جرت بين الفيتناميين والأمريكيين على الأرض الفرنسية.
والأهم ـ هنا ـ أن الولايات المتحدة حينما وضعت خطتها للتفاوض مع الفيتناميين؛ لإعلان القبول ضمنيًا بالهزيمة والبدء في الانسحاب، وضعت إلى جوارها وبالتوازي معها خطةً عسكرية جديدة، قامت على تصعيد القصف الجوي إلى أعلى درجة من العدوانية ضد الفيتناميين، وعلى بدء هجمات عسكرية جديدة ضد الثوار الفيتكونج. وكان الارتباط بين الخطتين أنَّ التفاوض يجب أن يجري دومًا من موقع القوة لا الضعف، وأنَّ إعلان الهزيمة يجب أن يتمَّ وفق غطاء من مظاهر القوة، وهو ما لم يكن ليغيِّر من جوهر الأمور شيئًا.
فهل نحن أمام تكرار لنفس السيناريو في العراق؟ أي: هل نحن أمام حالة تصعيد عسكري للوصول إلى حالة انسحاب تحت غطاء من عوامل القوة؟ أم أننا ما زلنا نشاهد محاولة أمريكية للحصول على النصر على المقاومة الذي سمَّاه بوش (انجاز المهمة) ؟!
-احتمالان:
واقع الحال أننا أمام الاحتمالين تمامًا في العراق ـ حيث الإعلانات السياسية من بوش وغيره لا تعطي فرصة للحكم باعتبارها جزءًا من الخداع الاستراتيجي في أيّة خطة عسكرية ـ، ذلك أنَّ هناك مؤشرات على أنَّ الاستراتيجية الجديدة هي استراتيجية الانسحاب تحت غطاء من عوامل القوة الظاهرة، كما أن هناك مؤشرات أخرى على أن الولايات المتحدة لم تقرر الانسحاب بعد، وأنها ما يزال أمامها مشوار قد يبلغ العامين حتى الإقرار بالهزيمة والانسحاب من العراق.
في الاحتمال الأول: فإن المؤشرات عديدة كما ذكرها (توم هايدن) (1) في مقالة له على موقع (كومون دريمز) ، وقد عدّد لهذه المؤشرات مظاهر وشواهد، أولها: ما قاله (جيمس بيكر) لأحد محامي (صدام حسين) أنّ (طارق عزيز) ـ نائب رئيس مجلس الوزراء العراقي السابق ـ سوف يُطلق سراحه من السجن في نهاية هذا العام، على أمل أن يتفاوض مع الولايات المتحدة بالنيابة عن قيادة حزب البعث. وقد حدثت هذه المناقشة في الآونة الأخيرة في عمَّان، وفق صحيفة القدس العربي، وهو ما يعزِّزه ـ أيضًا ـ تواتر الحديث حول نقل (طارق عزيز) للعلاج في إيطاليا.