البيان: ذكرتم فضيلة الشيخ! سِيَر الأنبياء والمجددين والمصلحين؛ فهل ثمة تجارب من التاريخ أو من الواقع المعاصر يمكن من خلالها أن نستثمر تلك التجارب وتعيننا في تجاوز الأزمات التي يمكن أن تحدث في المستقبل؟
* د. ناصر العمر: أبرز التجارب المعاصرة لدينا تجربة أفغانستان، ويجب أن ننظر إليها من الزاوية الإيجابية. لما دخلت روسيا بجبروتها وقوتها وغطرستها إلى أفغانستان؛ فإن الذين يتعاملون مع المادة يرضون بالهزيمة، وقد يستسلمون مباشرة وحدث هذا، لكن الذين تعاملوا بأسلوب آخر وأعلنوا الجهاد الحقيقي في حينه ماذا حدث بسبب ذلك؟ كما تعلم ما هي إلا سنوات معدودة ـ اعتقد أنها قصيرة جدًا ـ في عمر الزمن حتى تداعت الأمة إلى الجهاد مع حداثة التجربة، ومع أن الأمة منقطعة لفترة طويلة عن الجهاد، وما يجري في فلسطين لم تشارك فيه الأمة من خارج فلسطين إلا قليلًا، مع ذلك انظر كيف كانت النتائج؟ أما ما حدث من سلبيات بعد ذلك فمسألة أخرى ليست مقصودة في حديثي، ولم يستثمر هذا الانتصار في أفغانستان واستغله الأعداء. وقد تحقق في قضية فلسطين انتصارات ضخمة مع أن العالم تقريبًا يكاد يُجمع ـ حتى من داخل الدول العربية وغيرها ـ ضد المسلمين وضد المجاهدين، ومع ذلك فالانتصار ظاهر وبارز. بالأمس القريب كنت أنظر إلى محاولة اليهود اقتحام المسجد الأقصى، وفجأة نجد هذا الحشد الهائل بعشرات الآلاف من الفلسطينيين مع قوة الضربات، ومع شدة الأزمات، ومع الظروف المعيشية ومع التعذيب ومع التنكيل، ومع ذلك كله نلحظ القوة والسيطرة وتراجع العدو في أماكن كثيرة.
يكفي أن أقول كلمة واحدة: إن الصوت الأعلى هو صوت الجهاد ضد تلك المؤامرات، بل حتى في العمل السياسي عندما أجريت الانتخابات البلدية الفلسطينية، حصلت حماس على 70% تقريبًا، مع أننا لا نسلِّم بنزاهة الانتخابات تمامًا؛ فكيف لو كانت نزيهة؟
في المشهد العراقي مثال آخر؛ لما دخلت أمريكا للعراق ما كان أحد يتصور أن يصمد الشعب العراقي هذا الصمود، الآن أمريكا في مأزق لا يُشَك فيه.
وهذا الثبات بحد ذاته انتصار عظيم، وعدم استسلام المصلحين لروح الهزيمة هي البداية القوية للنصر. قارن بين ما يحدث في العراق خلال السنتين الماضيتين وبين أيام التتار عندما استسلم الناس وهُزموا نفسيًا!
إن هذه الأمثلة من أعظم التجارب. أيضًا تجربة البلقان وما حدث فيه يؤكد هذه الحقيقة.
إذن هذه تجارب واضحة وقوية لم يستسلم أصحابها للهزيمة النفسية أبدًا؛ مع أن كل الأدلة الظاهرة المادية قد تدعو إلى مثل ذلك.
وأؤكد أن من أعظمها وأبرزها لديَّ قضية فلسطين، ولا تزال وستظل بإذن الله أنموذجًا حيًا حتى يتحقق الانتصار الحاسم.