واشتبكت الحرب بين بكر وتغلب . وكانت كما قال المهلهل أخو كليب:"قد فني الحياة , وثكلت الأمهات , ويتم الأولاد . دموع لا ترقأ , وأجساد لا تدفن".
"وكذلك حرب داحس والغبراء . فما كان سببها إلا أن داحسا فرس قيس بن زهير , كان سابقا في رهان بين قيس بن زهير وحذيفة بن بدر , فعارضه أسدي بإيعاز من حذيفة , فلطم وجهه وشغله , ففاتته الخيل . وتلا ذلك قتل , ثم أخذ بالثأر . ونصر القبائل لأبنائها , وأسر , ونزح للقبائل , وقتل في ذلك ألوف من الناس".
وكان ذلك علامة فراغ الحياة من الاهتمامات الكبيرة , التي تشغلهم عن تفريغ الطاقة في هذه الملابسات الصغيرة . إذ لم تكن لهم رسالة للحياة , ولا فكرة للبشرية , ولا دور للإنسانية , يشغلهم عن هذا السفساف . . ولم تكن هناك عقيدة تطهرهم من هذه الأرجاس الاجتماعية الذميمة . .
وماذا يكون الناس من غير عقيدة إلهية ? ماذا تكون اهتماماتهم ? وماذا تكون تصوراتهم ? وماذا تكون أخلاقهم ?
إن الجاهلية هي الجاهلية . ولكل جاهلية أرجاسها وأدناسها . لا يهم موقعها من الزمان والمكان . فحيثما خلت قلوب الناس من عقيدة إلهية تحكم تصوراتهم , ومن شريعة - منبثقة من هذه العقيدة - تحكم حياتهم , فلن تكون إلا الجاهلية في صورة من صورها الكثيرة . . والجاهلية التي تتمرغ البشرية اليوم في وحلها , لا تختلف في طبيعتها عن تلك الجاهلية العربية أو غيرها من الجاهليات التي عاصرتها في أنحاء الأرض , حتى أنقذها منها الإسلام وطهرها وزكاها .
إن البشرية اليوم تعيش في ماخور كبير !
ونظرة إلى صحافتها وأفلامها ومعارض أزيائها . ومسابقات جمالها , ومراقصها , وحاناتها . وإذاعاتها . ونظرة إلى سعارها المجنون للحم العاري , والأوضاع المثيرة , والإيحاءات المريضة , في الأدب والفن واجهزة الإعلام كلها . .
إلى جانب نظامها الربوي , وما يكمن وراءه من سعار للمال , ووسائل خسيسة لجمعه وتثميره , وعمليات نصب واحتيال وابتزاز تلبس ثوب القانون . .
وإلى جانب التدهور الخلقي والانحلال الاجتماعي , الذي أصبح يهدد كل نفس وكل بيت , وكل نظام , وكل تجمع إنساني . . نظرة إلى هذا كله تكفي للحكم على المصير البائس الذي تدلف إليه البشرية في ظل هذه الجاهلية .
إن البشرية تتآكل إنسانيتها , وتتحلل آدميتها , وهي تلهث وراء الحيوان , ومثيرات الحيوان , لتلحق بعالمه الهابط ! والحيوان أنظف وأشرف وأطهر . لأنه محكوم بفطرة حازمة لا تتميع , ولا تأسن كما تأسن شهوات الإنسان حين ينفلت من رباط العقيدة , ومن نظام العقيدة , ويرتد إلى الجاهلية التي