فهرس الكتاب
والأصل في اختلاف العلماء في ذلك اختلافهم: هل المُعتبر في صيغ العقود ألفاظها أو معانيها؟ فمن قال بالأول أجاز الحيل. ثم اختلفوا فمنهم من جعلها تنفذ ظاهرًا وباطنًا في جميع الصور أو في بعضها، ومنهم من قال: تنفذ ظاهرًا لا باطنا، ومن قال بالثاني أبطلها ولم يجز منها إلا ما وافق فيه اللفظ المعنى الذي تدُل عليه القرائن الحالية. وقد اشتهر القول بالحيل عن الحنفية، لكون أبي يوسف صنَّفَ فيها كِتابًا، لكن المعروف عنه وعن كثير من أئمتهم تقييد أعمالها بقصد الحق. قال صاحب المحيط: أصل الحيل قوله تعالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا) الآية، وضابطها إن كانت للفرار من الحرام والتباعد عن الإثم فحسن، وإن كانت لإبطال حق مسلم فلا، بل هي إثم وعدوان.
ثم قال ابن حجر: نص الشافعي على كراهة تعاطي الحيل في تفويت الحقوق، فقال بعض أصحابه: هي كراهة تنزيه ـ أي لا عقوبة فيها ـ وقال كثير من مُحققيهم كالغزالي: هي كراهة تحريم ـ أي فيها عقوبة ـ ويأثم بقصده، ويدُل عليه قول:"وإنما لكل امرئ ما نوى"فمن نوى بعقد النكاح التحليل كان مُحللًا ودخل في الوعيد على ذلك باللعن، ولا يخلصه من ذلك صورة النكاح، وكل شيء قُصد به تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله كان إثمًا، ثم قال: وفي الجُملة فلا يلزم من صحة العقد في الظاهر رفع الحرج عمن يتعاطى الحيلة الباطلة في الباطن. وقد نقل النسفي الحنفي في"الكافي"عن محمد بن الحسن قال: ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق.
والقرطبي في تفسيره"ج 9 ص 236"عند قوله تعالى: (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مَنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ) (سورة يوسف: 76) قال في قوله: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ) جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تُخالف شريعة ولا هدمت أصلًا، خلافًا لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول وحرمت التحليل. وذكر أن العلماء أجمعوا على أن للرجل قبل حلول الحول التصرف في ماله بالبيع والهبة إذا لم ينو الفرار من الصدقة. وقال: من رام أن ينقض شيئًا من فرائض الله بحيلة يحتالها لا يفلح ولا يقوم بذلك عذره عند الله، وما أجازه الفقهاء من تصرف صاحب المال في ماله قُرب حلول الحوْل إنما هو ما لم يرد بذلك الهرب من الزكاة. ومن نوى ذلك فالإثم عنه غير ساقط، والله حسيبه، ولم يرتض القرطبي ـ ومذهبه مالكي ـ ما رآه الشافعية أو بعضهم من جواز الحيلة للوصول إلى المُباح واستخراج الحقوق.
هذه نُبذة عن الحيل واختلاف العلماء في جوازها ومنعها، وفي اختلافهم رحمة، وفي رأيي أن ربطها بالنية مطلوب، وما ذكره ابن حجر في ذلك جميل.
ـــــــــــــــــــ
زواج التحليل ... العنوان
سعادة الشيخ، اسمح لي أن أثقل عليك بهذا السؤال.. وأرجو أن يتسع قلبك له: نعلم أن الإسلام قد حرم زواج التحليل.. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من يتزوج بهذه الطريقة.. وأيضًا من يتزوج ليحلل لزوج سابق زوجته التي طلقها.. ولكن يا فضيلة الشيخ، لو أن رجلًا طلق زوجته.. ثم تزوجت بغيره ثم أرادت أن