فهرس الكتاب
هذه آثارهم فاعرفوها
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
أيها المسلمون:
اتقوا اللَّه حق التقوى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن خير الحديث كتاب اللَّه وخير الهدى هدي محمد صلى اللَّه عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، ومن يطع اللَّه ورسوله فقد رشد، ومن يعص اللَّه ورسوله فقد غوى .
معاشر المؤمنين:
سبق الحديث عن العلمانيين وتوجهاتهم وخطورة الدور الذي يمارسونه، وبعض وسائلهم وطرائقهم، والحديث اليوم عن بعض آثار هذا التوجه وثماره التي سرت في الأمة، وتغلغلت في بعض المفاهيم والأعمال، والأطروحات والبرامج على عدة مستويات.
أيها المسلمون:
إن من أعظم الدوافع والبواعث لكل داعية وعالم وناصح، بل وكل مسلم يشعر بمسؤوليته تجاه دينه وأمته من أعظم دوافعه لواجب الكشف والبيان: خطورة ذلك الفكر وشدة أثره في تضليل الأمة، والتوطئة لملل الكفر من اليهودية والنصرانية وغيرها في بلاد المسلمين، والناظر في تأريخ المسلمين يلحظ ويدرك بكل وضوح أن العاديات على بلاد المسلمين من غزو التتر وسقوط الأندلس وغيرها، ما كانت لتتمكن وتستولي على بلاد المسلمين، وتقتل الرجال وتسبي النساء والذرية، وتقود الولاة والأمراء أذلة صاغرين، ما كان ذلك بمجرد قوتهم وتفوقهم، وإنما كان ذلك بسبب الخيانة الداخلية، ممن يزاولون أدوار المنافقين، كالحركات الباطنية من الرافضة والقرامطة والإسماعيلية، وفي العصر الحاضر على يد العلمانيين وإخوانهم من الأحزاب الاشتراكية والبعثية والقومية، وما كان سقوط الخلافة العثمانية ووقوع كثير من دول الإسلام في قبضة المستعمرين وإنابتهم، أولئك بعد الخروج والاستقلال إلاَّ إحدى ثمار تلك التوجهات والحركات الغربية على المسلمين، وعلى أصل وحدتهم وتماسكهم، وكم نخشى من أمثال أولئك على بلادنا وبلاد المسلمين.
أرى خلل الرماد وميض نار وأخشى أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب مبدؤها كلام
أيها المسلمون:
إن لهذا الفكر وهذا التوجه ثمارًا سيئة وخراجًا نكدًا منذ ظهورهم في بلاد المسلمين، وتمكنهم في مواقع التأثير ومنابر الإعلام منها:
أولًا: تكريس التبعية للغرب، وجعله الأنموذج الأفضل الذي يجب أن يحتذى في كل شيء، حتى في الأوضاع السلوكية والأنماط الاجتماعية، وأن الرجل الغربي هو المتفوق تمدنًا ورقيًا وحضارة، وهو الجدير بالإقتداء والتأسي، والذي يدل على وجود هذا الأثر في واقع الناس اليوم، ذلك الفارق الذي يجده الفرد المسلم في نفسه تلقائيًا بين الرجل الأوربي النصراني وبين مسلم، فقير آسيوي أو أفريقي، فالأول يجد له في نفسه التقدير والاحترام، والثاني لا يجد سوى الازدراء والتنقص؟ .
فمن الذي ولَّد هذا الشعور وكرَّسه في مفاهيم العامة والخاصة ؟ وهل كان هو المألوف لدى المسلمين في سالف العصور ؟، أم أنهم كانوا يعتبرون الكافر أقل منزلة وأحط درجة من المؤمن باللَّه واليوم الآخر، منهجهم في ذلك قوله تعالى: (( وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ) ) [البقرة: 221] .
ثانيًا: من الآثار ربط أمور الناس بالدنيا والمادة، وإغراقهم فيها إلى حد العبودية لها والإرتكاس فيها، والحب والبغض فيها ولها، (( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) ) [الروم: 7] .
ومثل هذا الأمر لا يعوز أحد الاستدلال عليه والتمثيل له، فنظرة إلى الأوضاع العالمية بل وأوضاع عامة الشعوب يدرك طغيان المادة على التعامل، وجعلها أساسًا للموازين ومعيارًا للقيم والمفاهيم.
ثالثًا: إذابة الفوارق بين حملة الرسالة الصحيحة وبين أدعياء العلم والثقافة من أهل التحريف والتبديل، وصهر الجميع في إطار واحد.
رابعًا: تهوين الخطر العالمي المتمثل في كيد اليهود والنصارى، والصهيونية والماسونية العالمية، واتهام من يبين خطرهم ويحذر من كيدهم وخططهم بأنه مصاب بعقدة المؤامرة، أما هم فلا يعتقدون مكايد عدائية متجذرة ومتأصلة، وإنما الأمر مصالح ومغالبات، ومطامع توسعية سياسية وإستراتيجية، نعم إن تفسير كل شيء في الوجود أن وراءه العدو وخلفه مؤامرة، وتحميل الأخطاء والتقصير على الغير، وتدبيره وتخطيطه هو نوع من المبالغة غير مقبول، وفيه تسويغ الأخطاء والتنصل من مسؤوليتها، لكن أصل القضية وهي عداوة الكافرين للمؤمنين وعملهم المستمر في الكيد والتضليل، فهذه سنن ربانية وأخبار قرآنية، نبأنا اللَّه من أخبارها فوصف عداوتهم بالبيان والظهور، (( إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا ) ) [النساء: 101] .
وبين أنهم يمكرون مكرًا، فقال تعالى: (( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) ) [الأنفال: 30] .
وقال: (( وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) ) [النمل: 50] .
وقال: (( ومكروا مكرًا كبارًا ) ) [نوح: 22] .
هذا منطق القرآن، أما بنو علمان فيقولون لا عداوة ولا مكر.
أربعوا على أنفسكم وهونوا عليها، حتى تنفد في المسلمين أسنتهم، وتغمد في ظهورهم خناجرهم ورماحهم، فتقع الواقعة وتحل المصيبة على المسلمين، ثم بعدها يقولون إنما هي آراء وتوقعات، (( ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ) ) [النساء: 62] .
خامسًا: السخرية والاستهزاء بعلماء الأمة ودعاتها، ونبزهم بالألقاب النابية والحيلولة دون الأخذ منهم، والاهتداء بفقههم بحجة أنهم لا يعلمون شيئًا عن الواقع، وأنهم لا يعيشون الأحداث، وربما رسموهم بعلماء الحيض والنفاس أو فقهاء الآخرة ؟!! .
بل لم يسلم منهم الأموات ممن جاهدوا بألسنتهم وأقلامهم، فرموهم بالعظائم، واتهموهم وكذبوا عليهم ألا ساء ما يزرون .
سادسًا: دعوتهم وتبنيهم مطاردة الدعاة إلى اللَّه، ومحاربتهم وإلصاق التهم الباطلة بهم، ونعتهم بالأوصاف الذميمة، كالتخلف والتحجر والجمود والرجعية.
سابعًا: تعطيل فريضة الجهاد في سبيل اللَّه بصورته المشروعة، بل ومهاجمتها واعتبارها نوعًا من أنواع الهمجية والإرهاب .
وذلك أن الجهاد في سبيل اللَّه معناه القتال لتكون كلمة اللَّه هي العليا، وحتى لا يكون في الأرض سلطان له القوة والغلبة والحكم إلاَّ سلطان الإسلام، وحينما غاب مصطلح الجهاد من قاموس الأمة أصيبت بالتخاذل والهوان والذل، مصداقًا لقول النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم-: (( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد وسلط اللَّه عليكم ذلًا لا ينزعه من حتى ترجعوا إلى دينكم ) ). [1]
ثامنًا: الدعوة إلى القومية أو الوطنية: وهي دعوة تعمل على تجميع الناس تحت جامع وهمي من الجنس، أو اللغة، أو المكان، أو المصالح، على ألا يكون الدين عاملًا من عوامل التجميع، بل الدين من منظار هذه الدعوة يعد عاملًا من أكبر عوامل التفرق والشقاق، فعملوا على تشتيت الأمة وتوزيع ولاء آتها إلى الإقليم والتراب والوطن والموروثات، والعوائد وتقديسها، واعتبارها الوجه الحضاري للأمم والشعوب.
تاسعًا: محاربة العفاف والتقليل من شأن الفواحش والفوضى الأخلاقية، ورعاية أصحابها واحتضانهم، واعتبار ظاهرة الفاحشة وتمرد الشباب والسفهاء على الفضيلة أمرًا عاديًا لا يستحق الاهتمام، وبالتالي لا يستدعي التفكير الجاد في العقوبة والتأديب، وما مظاهر انحلال الشباب وكثرة الفواحش وتهافتهم على البرامج التي تؤسس الاختلاط وتمارسه علنًا كبرامج (ستار أكاديمي ) ونحوها، إلا ثمرة لأطروحات العلمانيين والليبراليين.
عاشرًا: تهديم بنيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في البنية الاجتماعية، وتشجيع ذلك والحض عليه: وذلك عن طريق: الإشادة بالقوانين التي تبيح الرذيلة ولا تعاقب عليها، والتي تعتبرها من باب الحرية الشخصية التي يجب أن تكون مكفولة ومصونة، وعن طريق أيضًا وسائل الإعلام المختلفة من صحف ومجلات وإذاعة وتلفاز، التي لا تكل ولا تمل من محاربة الفضيلة، والهجوم على أوضاع المرأة المسلمة المحافظة، وعن طريق أيضًا محاربة الحجاب واعتباره من العوائد وليس من الإسلام، وفرض السفور والاختلاط.
أيها المسلمون:
هذه بعض ثمار شجرة العلمنة الخبيثة على كثير من ديار المسلمين، فكم أثرت في الأجيال، وحرفت الرؤى والأفكار، ومع كل ذلك فهو كيد من كيد الشيطان، وقد وصف اللَّه تعالى كيد الشيطان فقال: (( إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ) ) [النساء: 76] .
وإن كل مسلم في أي مكان وموقع يجب عليه أن يعمل جاهدًا في وقاية نفسه وأسرته ومجتمعه من جميع وسائل التغريب والتضليل، وذلك بعمل برامج علمية وإيمانية للأبناء والبنات، وكذلك الانتقاء والاختيار في المادة المقروءة والمسموعة، وحجب منافذ الإفساد أن تصل إلى العقول والعواطف والغرائز، ثم تقوية الوعي والبصيرة بمعرفة الحق وأهله والباطل وأهله، والاستعانة على ذلك بطول التمعن بالآيات القرآنية الكاشفة لسبيل الضالين والمجرمين، وبمعرفة التاريخ وحوادثه، وعلى كل حال بالصدق والصبر والأخذ بالأسباب، وعدم استعجال الثمار والنتائج ستعلو راية الحق وينتصر أهله.
أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: (( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) ) [الحج: 78] .
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون:
وللمستفهم أن يقول: كيف يكون بعض المسلمين دعاة على أبواب جهنم؟ فالجواب هو أنهم كذلك ببثهم الفساد والانحراف الأخلاقي: كإشاعة الفاحشة وتسهيل أسبابها، ومحاربة بيئة التدين في المجتمع من خلال وسائل الإعلام مثلًا، أو في مجال التعليم، بزرع المبادئ الهدامة بين الطلاب من خلال كوادر غير أمينة، أو من خلال منظري التطوير التعليمي في سائر البقاع، فيما يقدمونه من الحد والتقليص لما يقوي صبغة الله في نفوس الطلاب، (( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ) ) [البقرة: 138] .
أو التقليل من شأن العلوم الشرعية، في مقابل الحرص الدءوب على تكثيف ما عداها.
ويكون الإفساد ببث أفكار تسيء إلى الإسلام وأهله، وتحارب الدعوة إليه، وتزدري الدعاة وتسخر منهم، وتنادي بعزل دين الناس عن دنياهم.
ويستنكرون أن تدخل الدعوة في علوم الطبيعة والرياضيات، ويتهمون المناهج في بلاد المسلمين أنها هي السبب في وجود بيئة التدين والدعوة، وكأنها جريمة لا تغتفر، حيث قال أحدهم في أحد الصحف المحلية:"فقد اصطبغت الكتب الدراسية جميعها بصبغة دينية"، إلى أن قال مستنكرًا:"فلا تدرس مادة اللغة الإنجليزية مثلًا ذاتها، بل لتكون وسيلة للدعوة إلى الله، وتمتلئ كتب هذه المادة بالحديث عن الإسلام"أ هـ
أيها المسلمون:
إن هذا الحاقد على الدعوة والدعاة وغيره ممن يملؤه الغيظ على دين الله تبارك وتعالى لا يعدو قدره إن شاء الله، إلا أن الواجب على كل مسلم أن يقوم بما أوجب الله عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدفاع عن دين الله، والإنكار بقدر الاستطاعة، والمرافعة الجادة لمحاسبتهم وتأديبهم، لأنهم ضد الأمة ودينها وأخلاقها، أما أن يترك الحبل على الغارب لكل دعي جاهل ليحارب الإسلام دون أن يقف من أهل الغيرة أحد في وجهه ووجه كل من سانده وأعانه فلا يسوغ أبدًا: (( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ) ) [سبأ:46] .
(( وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) ) [يوسف:21] .
وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[1] - أخرجه أبو داود في سننه برقم ( 3462 ) ، وأحمد في مسنده برقم ( 5007) ، والبيهقي في سننه برقم ( 10484 ) ،
وقد صحح الحديث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله - في صحيح الجامع برقم ( 423 ) .
ـــــــــــــــــــ