فمن أصلح ما بينه وبين ربه كفاه الله ما بينه وما بين الناس، ومن صدق في سريرته حسنت علانيته، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، فلا بد من وقفة جادة للمحاسبة مع مطلع هذا العام الهجري الجديد، فالمحاسبة الصادقة هي ما أورثت عملًا صادقًا ينجيك من هول المطلع في ساحة العرض على أحكم الحاكمين.
عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما- قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بمنكبي فقال:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، فكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول:"إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك"أخرجه البخاري (6416) .
فيا غافلًا عن مصيره، يا واقفًا مع تقصيره، سبقك أهل العزائم وأنت في بحر الغفلة عائم، وقف على باب التوبة وقوف نادم، ونكس الرأس بذل وقل: أنا ظالم، وناد في الأسحار، وقل: مذنب وراحم، وتشبه بالصالحين إن لم تكن منهم وزاحم، وابعث بريح الزفرات سحابًا ودمعًا ساجمًا، وقم في الدجى داعيًا، وقف على باب مولاك تائبًا، واستدرك من العمر ما بقي ودع اللهو جانبًا، وطلق الدنيا والمعاصي والمنكرات إن كنت للآخرة طالبًا. فيا أخي الحبيب: اخل بنفسك وحاسبها حسابًا عسيرًا، عن كل إساءة صدرت منك في هذا العام، واجتهد في التخلص من تلك العيوب واستبدلها بما يزينك من كل جميل وحسن، وافتح صفحة جديدة مع الله؛ عسى الله أن يتحمل عنك التبعات.
كتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى بعض عماله يقول له: (حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة؛ فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضاء والغبطة، ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة) .
وقال الحسن البصري - رحمه الله تعالى-: (لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه، ماذا أردت أن تعملي؟ ماذا أردت أن تأكلي؟ وماذا أردت أن تشربي؟ والفاجر يمضي قدمًا لا يحاسب نفسه) .
وقال ميمون بن مهران - رحمه الله تعالى-: (لا يكون العبد تقيًا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوان إن لم تحاسبه ذهب بمالك) .
وقال مالك بن دينار - رحمه الله تعالى-: (رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله - عز وجل- فكان لها قائدًا) ، ومحاسبة النفس تنقسم إلى قسمين، قسم قبل العمل، وقسم بعده.
أما الأول: فهو أن يقف العبد عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له أيمضي أم يترك، قال الحسن البصري - رحمه الله تعالى-: (رحم الله عبدًا وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره توقف) .
أما القسم الثاني: وهو محاسبة النفس بعد العمل وهو ثلاثة أنواع:
أحدهما: محاسبة النفس على طاعة قصرت فيها في حق الله -تعالى-فلم تؤدها على الوجه المطلوب، وحق الله في الطاعة ستة أمور وهي:
1-الإخلاص.
2-متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم-.
3-النصيحة لله.
4-شهود ومشهد الإحسان في هذه الطاعة.
5-شهود منة الله عليك في توفيقك لهذه الطاعة.
6-شهود تقصيرك فيها.
فيحاسب العبد نفسه: هل وفىّ هذه المقامات كلها في كل طاعة يقوم بها؟ أم لا؟.