كثرت الأوراق هذه، وكالعادة دخلت الدولة على الخط ككل النجاحات، والدولة هي التي تصدر الذهب، فصارت تصدر الورق كإصدار اليهودي وتزعم أن الورق محمي بالذهب، وهذه الدول أصلا كانت تتعلب بالذهب نفسه، وذلك أنها تصدر دراهم ودنانير وهاتان الكلمتان ليستا عربيتين أصلا.
كيف تلعب؟
كانت تجبر التاجر الداخل إليها أن يبدل الذهب الذي بين يديه بذهب من إصدارها، ويكون هذا الذهب الذي من إصدارها مغشوشا أي فيه كمية نحاس أكثر مما هو محمول معه، ولا تسمح لأحد بالتعامل إلا بالذهب الذي تصدره في داخل الدولة، فكانت تأخذ الذهب الصافي أو ما هو أفضل من خليطها وتعطيهم بدلا منه ما هو أقل جودة، فتذهب إلى دار الضرب وتذيب المأخوذ وتعود لصبه بدينارها مع خلطه بكمية أكثر من النحاس، وبهذا تستفيد وتسرق إصدار اليهودي للورق.
أراحها من هذا التعب، فصارت تصدر ورقا وتأخذ الذهب وتقول: متى أردت الذهب أعطيناك، وهكذا حل الورق بدل الذهب، وصارت الدولة تصدر من الورق ما تشاء دون وجود ما يغطيه من الذهب، وكانت آخر دولة تفك ارتباط عملتها بالذهب هي أمريكا في أوائل العشرية السابعة من القرن الماضي، وبدل الذهب صار للعملة قوى أخر تدعمها منها القوة العسكرية والعملات الأخرى المحترمة كما يسمونها كالدولار والاسترليني والفرنك إلى غير ذلك.
وأعظم المصائب التي وقعت في الوجود وهي طامة عظمى أن تصبح العملات وهي معيار الحياة مجالا للتجارة، وهو مما منعه الإسلام حين حرم بيع الذهب إلا يدا بيد ومساويا، وذلك حتى لا يتحول المعيار إلى نسبي، بل يبقى مطلقا، ومن عجائب هذا الأمر القدري هو اتفاق البشر جميعا على هذا المعيار أي الذهب والفضة، وكأنه شيء كامن في أصول النفس البشرية وفي هذين المعدنين مع وجود ما هو أغلى منهما وأندر.
ومن شروط الثمنية أو العملة هو الثبات كثبات المقاييس مثلا، فالمتر لا يتغير ولا الذراع، لكن جعل العملة بضاعة أفسد هذا كله، وجعل الناس ألعوبة بيد الفاسدين والمرابين، فأنت قد تملك