فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 495

ومع هذه التواريخ القديمة يبصر طالب العلم المعاصر أنه لا يعيش بدعًا من الحياة، ولا ما يلاقيه لم يمض مثله من الحوادث، فتضعف نفسه وتتغير بوصلته التي تشير إلى العمل وسط المحن، بل يعلم علم اليقين أن هذا الدين منصور من الله، وكل هذه الأوساخ ستمضي وتنقضي، فأين ذهبت دولة العبيديين وقد حكمت أغلب بلاد المسلمين، حيث امتد سلطانها في المغرب الإسلامي كله، وسيطرت على مصر والحرمين واليمن، ووصل تمكنها في بلاد الشام إلى حلب، حيث خطب في كل هذا البلاد على منابرها مشايخ الزندقة، وكان دعاؤهم للحاكم الفاطمي، بألفاظ الكفر والزندقة الصريحة، ومع ذلك ذهبوا ومضوا وبقي الدين هو المستقر في هذه الأرض، وورث أهل السنة ديارهم وأموالهم ومعاهدهم.

وكذلك جاء الغلاة من الخوارج، فثارت بهم ثوراتهم المتعاقبة، يقتلون أهل السنة، ويستبيحون نساءهم ورجالهم، وكانت مادة هذا الغلو جهل القبائل الذين انضموا إليهم، إذ لم يلحق بهم إلا جاهل من أهل الجبال، فأبو يزيد الخارجي من قبيلة زناتة، وهي من قبائل البربر، وهي قبيلة لم تنفك منذ إسلامها على الثورة والرفض، واستغل مفاسد العبيديين الإسماعيليين ومظالمهم وكفرهم الأكبر بالله وبالدين، فكان الجهل بالدين، ومظالم ومفاسد وزندقة العبيديين هما مادة التحريض لأبي يزيد الخارجي هذا.

وهي صورة كأنها تتكرر اليوم بكل معانيها، وقد وصف هذا بقول صاحب معالم الإيمان: (كان يبيح دم أهل القبلة ويستحل الفروج، ويفعل في الإسلام أشد مما يفعل في دار الحرب) وفي البيان المغرب لابن عذارى قال فيهم: وقد قتلوا أهل باجة وفعلوا فيهم الكثير: (وامتحن أهل باجة أيام أبي يزيد بالقتل والسبي) ؛ فكما يقولون اجتمع على أهل السنة من علماء المالكية حلقتا البطان، يهربون من الكفر والزندقة التي يقولها الروافض الإسماعيلية العبيديون، وما يفعلونه من الذبح والتقتيل لعلمائهم، بل يأتون بغرائب الفعل في القتل والسلخ كما سيأتي، أقول يهربون من هذا إلى الخوارج الغلاة ممن لا يكفر بالله كفر الزنادقة، ويعلنون التوحيد والتشدد في الأحكام، فإذا جاؤوا إليهم لم يجدوا عندهم إلا نار القتل والحقد والذبح والتقتيل، فسياسة الحقد الرافضي الإسماعيلي رمت الناس في أحضان الغلاة الخوارج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت