فالتوحش لا يمكن أن يكون مطلبًا نهائيًا لمسلم، لكن ضرورة قدرية في ظروف معينة، منها ما تقدم من عدمِ التقاء الإسلامِ مع الجاهليةِ في وسط الطريق .. ومنها قدرةُ هذه الجاهلية واتساع سلطانها، وهو الذي يمنع تسليما سلسًا لوارث هو سلطان الإسلام، وذاهب منهزم هو الجاهلية!
فطبيعة العلاقة بينهما (وهي الصراع) تنتج لزوما فترة تتساقط فيها أطراف الجاهلية ممتدة نحو العمق، وتذهب تدريجيًا ليدِ المسلمين .. وخلال هذا التحول لا بد أن تنشأ فترة رخوة من السلطان هي ما اتفق على تسميتها بفترة «التوحش» ، وحيث هي قادمة لا محالة فلا بد من الوارث أن يتجهزَ لإدارتها، وذلك عن طريق فقهٍ يسمى «إدارة التوحش» ..
إذًا، صاحب الكتابِ لا يشرع الذهاب للتوحش كما يظن الناظرون للعنوان فقط!! لكنه يدعو للتربية والتعليم من أجل استغلالها والتعامل معها بسننية وفقهٍ شرعيّ وقدريّ ..
إذا علمت هذا بانت لكَ الأخطاء التي مارسها مدّعوا الفكرِ والنظرِ في شتمهم أو ذمهم لهذا المفهوم وهذا المعنى!!
إذًا هو: إدارة التوحش لا صناعته!!
والذين لا يعجبهم الكتاب عليهم الرد على طروحاته كما هي، لا على تصوراتهم نحوه، وهي تصورات مناميّة فقط، لا تمت للواقع بصلة!!
والكتاب استشرافي كما هو بيّنٌ من معانيه ومواضيعه، ولذلك لا يحمل أي خطورة لفرض تصور على واقع، لأن صاحبه كما هو بين مرة أخرى لا يدعي تعاليًا على الواقع، بل هو يقول لك: إن حضرت هذه الفترة، ووقع هذا التصور فعليك بهذه القوانين والتشريعات والممارسات، ومن تأملها لم يجد فيها أي خروق كبيرة تخرج صاحبها عنِ النظرِ الصحيح، بل هو لا يطرح أي سلوكٍ ضمن إطار التكتيك .. بل يضع قضايا كلية عامّة لازمة لتلك المرحلة .. وابتعاد الكاتب كما هو بين مرة أخرى وكبيرة عن فرض الرؤية الذاتية على واقع ما يخرجه من أي ملامة، بل هو يقع على وفق ما قاله الشاعر:
إن صح قولكما فلست بخاسرٍ ... وإن صح قولي فالخسار عليكما