والفتن والملاحم. وهذا هو أعظم ما فيها من بركات؛ فهي أرض مباركة لا بما فيها فقط من خيرات ونعيم، لكن بما فيها من عطايا إلهية، وموطن صدق وشاهدة، وأنفاس جهاد وإيمان يعيشها أهل الإسلام جمعيًا لا أهلها المقيمين بها فقط، بل تُشدُّ إليها الرِّحال من أجل رِباطين عظيمين: رباط الجهاد ورباط الخلوة والتعبد والإخبات. ولذلك ليس فيها أهل هم عُمَّارها كعمار البلاد الأخرى، بل ليس فيها إلا خلائط المهاجرين من كل بلاد الإسلام، يحنُّون إليها ويهاجرون إلى أربطتها العظيمة، فهنيئًا لمن شهد فيها مواطن الصدق والجهاد والشهادة.
واليوم ومن عاش وراقب وتأمل حكمة الله ويده الرَّاعية لهذا الجهاد، رأى وعلم وأيقن أن هذا السبيل لن يكون له مستقر إلا في أرض المحشر والمنشر؛ أرض المسرى المحمَّدي المبارك. وهذا لم يكن إلا حلمًا عند أوليائه الذين نحسبهم على غرز محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه -رضي الله عنهم جميعًا-، فعندما كان الشيخ عبد الله عزام -رحمه الله- يُحرِّض ويدعو وينشر عبقه في نفوس الشباب للهجرة إلى أرض أفغانستان كانت عينه تمدُّ ببصرها هنا إلى أرض المسرى لقتال اليهود، ومن لم يرَ رُؤاه ولا فهم كلامه كان يعجب من هذا الكلام! ولكن ها هي آماله تقوم بحق هنا، فانظر كيف سَرَت برعاية الله تعالى على وجه عجيب، قام بها رجال طوَّفوا من أفغانستان إلى الشيشان إلى البوسنة إلى الصومال إلى اليمن والجزائر والعراق، ثم كانت الرحمة الإلهية بهذه الهدية هنا على أرض الشام العجيبة.
إن فهمت هذا علمت من هم أهل الجهاد حقًا، وعلمت من هم ورَّاثه وأهله الذين يحملونه بحق، وليس من هو مستأجر يصيح كما يصيح الناس دون فهم ولا علم، فهؤلاء ممن تمشي بهم أرجلهم فقط ليكونوا من حاضري السوق فقط للمتعة، فيقال فيهم: (وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم) ويريدون بجهل لمجرد الحضور دون وعي على قدر الله الراعي لهذا الجهاد ولهذا الدين أن يصرفوا الجهاد عن أهدافه، بل يريدون صوغه صوغ أهل الجاهلية، من جعله جهاد قطر صنع بحدوده وقوانينه وأنفاس أهله في الولاء والبراء والغاية على وفق قانون الشر والباطل.