التي تجلب طالبي النعيم لأنها أرض العسل والخير فهي كذلك مطلب أصحاب الأديان؛ فالصليبيون يعتقدون وجود موطن ميلاد المسيح وفيها أعظم كنائسهم، واليهود يرونها موطئ القدم لتحصيل مُلكهم القادم مع ملكهم المنتظر، فأشواق النفوس تحنُّ إليها، وأهل الحق يرونها بما أعلمهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيها، فكيف لمثل هذه البلاد أن تستقر بلا فتن وجهاد وملاحم؟!
فكانت بعدها ملاحم وحروب الفرنجة ورفع الله بهذا الجهاد أقوامًا، وكان عامة طوائف الجهاد من غير العرب، وإنما من السلاجقة وإخوانهم، وقد بدأت الحملات الصليبية الشعبية على يد بطرس الناسك وغوتير المعدم، ولكن قدر لهذه الحملة الحقيرة أن تنكَّبت في موقعة سيفيتوت، وهي قلعة حُصر فيها هؤلاء الأوباش وقُضي عليهم على يد القائد التركي قلج أرسلان بن سليمان وذلك في سنة 1096 م، ثم كانت حملة صليبية أخرى كانت رسمية بقيادة ملوك الفرنجة، وقد تعدَّدوا فمنهم الفرنسي والألماني والإيطالي. وقد تكوَّنت أول حملة رسمية من أربعة جيوش، ثم تكاثرت سحب الباطل، ومعها يبعث الله في القلوب حب الشهادة، وحب الجهاد، ويُيسِّر لهذا الجهاد قادةً ورجالًا عظماء يحبون الموت ونصرة الدين في سنين متطاولة، لا تزيد أهل الإيمان إلا يقينًا أن العاقبة للمتقين.
وقد كان بفضل الله تعالى، فمنذ 1096 م وهي بداية الحروب المنتظمة بما يسمى بالحروب الصليبية إلى رحيل آخر جندي منهم والقضاء على آخر معاقلهم وهي عكار وصور في سنة 1291 م وسوق الإيمان والشهادة قائم لم يهدأ، وبعوث الفرنجة تكرُّ وتكرُّ ولا تملّ! إذ كانت آخر حملاتهم بقيادة نقولا الرابع سنة 1289 م وقبلها حملة ملك إنكلترا سنة 1271 م
وفي هذه الحملة أخذ قيسارية، ذلك لتعلم أن نصر الله تعالى يأتي مرة بعد مرة وليس هنالك من وقت تقول فيها قد انتصرنا ووُضع السلاح، فالجواب النبوي لهؤلاء: (الآن حمسي الوطيس) ، تقال هذه الكلمة كل وقت وحين، لا كما يظن البعض أن هذا الجهاد القائم اليوم على أرض الشام له مستقر ونهاية؛ فإن القائل لذلك لا يفهم هذا الدين، ولا يفهم هذه الأرض، ولا يفهم سنن الحياة، فهذا الجهاد لا ينقطع، وسبيل مسلوك لا يُجدب.