والكفر قد تعلَّم أن لا يترك شيئًا للصدفة، وقد تعلَّم من هذه الأمة إن لها سُننًا من الهبَّات والقومات ما لا يخطر على باله، بسبب عدة الإيمان الكامنة في النفوس، وبسبب بعث حب الشهادة والدار الآخرة، فهذه قيم إيمانية تنبعث فجأة بلا مقدمات كالسيل الجاري الذي يتدفَّق من علٍ قويًا هادرًا.
ولذلك هم جاؤوا إلينا اليوم ليمنعوا ما استطاعوا من هبوب الرياح التي رأوها في تاريخهم تجتاح القسطنطينية فتتحول إلى إسلامبول العظيمة، أو كما رأوا جحافل إيمانية تزلزل قلاعهم وحصونهم في بلاد الشام في حروب الفرنجة. وهذا يعلِّم أولئك المستهزئين بجماعات الجهاد، حيث كانت تُطلق عليهم أوصاف السفلة أن جابهوا القوى العظمى -كما يسمونها- بلا عدة ولا تقدير، أو أنهم قدَّروا -لسوء تقييمهم عالم الإيمان- أن القضاء عليهم سيكون حاله كما أرسل كسرى رسولين من اليمن ليحضرا له رسول الهدى والحق - صلى الله عليه وسلم - مخفورًا إليه أو إلى تابعيه وعملائه في اليمن، فيقول لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إن ربي قتل ربكم) .
نعم لقد أُصيب الكفر بالهلع، فهنالك هبّة إيمانية قوية ستُعيد صياغة العالم، وتُعيد ترتيب التاريخ، وستُغيّر معادلة القوى والصراع في العالم أجمع، فهؤلاء ليسوا حزبًا سياسيًا يمكن تطويعه، ولا هم شباب متهوِّرون، ولا هم شرذمةً قليلون، بل هم مَدَدُ أمة، وقيادة فذة، ورعاية غيبية لا يرون إلا آثارها على أرض الإسلام والمسلمين.
هذه رؤاهم، وهم يرون بعضها، فخافوا فجاؤوا وقدَّروا أن النصر لهم، هذا يمكن، ويمكن أن غضب السفيه يذهب به للموت من شدة غيظه وحقده كحال الجائع وهو يقتحم الصعاب لإصابة الطعام، وإن كانت الأولى أقوى، فهم ما زالوا يؤمِّلون أن القضاء على هؤلاء ممكن، وخاصة أنه سيشاركهم أتباعهم وعملاؤهم في هذه الرحلة الخبيثة القذرة، وسيدفعون لهم الأموال ثمن هذه الحرب الصليبية الجديدة.
لم يكن للصحابة إن يجهلوا يد الله وهي تسوق قريشًا ومن معها من قبائل الكفر إلى الخندق، ولم يكن -لعلمهم بسنن الحياة- أن هذه الجماعات لم تكن لتأتي إلا بعد أن علمت أن هذه المدينة صارت خطرًا داهمًا عظيمًا عليها وعلى مصالحها، ولذلك صرخوا صرخة العالم بالغيب،