فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 495

والعالم بسنن الصراع، والعالم بتحوُّل القوى وتغيرات الحياة قائلين: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} ، ومع الوعد يكون البلاء، ومع الوعد يكون القبول والشهادة والعطاء والمحنة، كما كانت البشرى لمريم -عليها السلام- بلاءً عظيمًا لها حتى قالت: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} .

إن المؤمن وإن كان لينبعث في نفسه الألم أن يُغزا ولا يغزو، لكنه يعلم كذلك أنه لن يغزو غيره حتى تتحطَّم جيوش الغزو التي اعتادت لغرورها الغزو، ويقضي على أُسِّ قوتها، فينطلق حينها الصادق: (اليوم نغزوهم ولا يغزونا) ، هكذا هي بإذن الله تعالى الرحيم الغفور.

إن هذا الإعداد والتدبير بين قوى الكفر الداخلي المتمثِّل بالرِّدة والزَّندقة، ومجموع له الكفر الخارجي من أعداء تقليدين هم الناس كما سماهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ليدل على أن هذا الأمة عِلَّتها من أنفسها، وإن الشر لا يمكن أن يُحقِّق مقاصده فينا إلا من خلال أولياء الشيطان من منافقين وغيرهم، ولذلك وجب رفع راية الإيمان في هذه المعركة؛ إذ بدون هذه الراية لن يتجلَّى موقف هؤلاء المنافقين والمرتدين على حقيقته، ولن يعرف أهل الإسلام حقيقة أعدائهم، وباب النصر وتحقيق الوعود هو أن تعرف حكم الله في هذا الوجود، وأن تكتشف المؤمن من الكافر، والصادق من المنافق {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} .

فهذه معركة الإيمان سيكون فيها تحت راية الكفر العربي والعجمي وسيكون تحت رايتها الإيمانية العربي والعجمي، لكن قاعدة القتال {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} ، وهذا المقصد من أعظم مقاصد بعثة الرسول وإرسال الرسل وإنزال الكتب، وبهذا يتحقق مقصد الله في الصراع بين الكفر والإيمان {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} .

هذه معارك الإيمان لا العروبة، ومعارك الحق لا القومية، ومعارك النبوة لا أعدائهم، وهي قائمة لأن هناك قومًا يأبون إلا الحياة تحت ظل شريعة الرحمن، وقومًا يُبغضون دين الله الذي يرونه مزيلًا لسلطان الشيطان الذي يعبدونه.

هذه الهجمات القادمة والتي أطلت برأسها ستفتح أسواقًا إيمانية عظيمة، وسيكون فيها الفعل الإيماني حاضرًا، وأعظم من ذلك أنها -إن شاء الله- ستكون سببًا في إزالة الخلافات بين الناس إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت