فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 495

أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (اهجُوا قريشًا فإنه أشدُّ عليها من رشق بالنبل) ، فأرسل إلى ابن رواحة فقال: (اهجُهم) ، فهجاهم فلم يرضَ، فأرسل إلى كعب بن مالك ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان:"قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه"، ثم أدلع لسانه فجعل يحركه فقال:"والذي بعثك بالحق لأفرينَّهم بلساني فَرْي الأديم"، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لا تعجل فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبًا حتى يلخّص لك نسبي) ، فأتاه حسان ثم رجع فقال:"يا رسول الله قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلَّنك منهم كما تُسل الشعرة من العجين".

قالت عائشة فسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لحسان: (إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله) ، وقالت سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (هجاهم حسان فشفى واشتفى) .

وها هو يأمر عمر الفاروق أن يرد على أبي سفيان بعد أُحد ويعلّمه ما يقول؛ روى البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب قال:"لَقِينا المشركين يومئذٍ، وأجلَسَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جيشًا مِن الرماةِ، وأمَّرَ عليهم عبدُ الله، وقال:".... وأَشَرَفَ أبو سفيانَ، فقال: أفي القومِ محمدٌ؟ فقال: (لا تجيبوه) . فقال: أفي القومِ ابنُ أبي قُحافَةَ؟ قال: (لا تجيبوه) . فقال: أفي القوم ابنُ الخطابِ؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياءَ لأجابوا، فلم يَملِكْ عمرُ نفسَه، فقال: كذبتُ يا عدوَّ اللهِ، أبقى اللهُ عليك ما يُخْزِيك.

قال أبو سفيان: اعْلُ هُبَلُ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: (أجيبوه) . قالوا: ما نقول؟ قال: (قولوا: اللهُ أعلى وأجلُّ) . قال أبو سفيانَ: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: (أجيبوه) . قالوا: ما نقولُ؟، قال: (قولوا: اللهُ مولانا ولا مولى لكم) . قال أبو سفيان: يومٌ بيومِ بدرٍ، والحربُ سِجَالٌ، وتجدون مُثْلَةً لم آمرْ بها ولم تَسؤْني"."

وها هو يقيم لشاعره منبره ليقول فيه وفي الإسلام كلام الحق، فأين يذهب من يترك هذه الأعمال العظيمة دون أن يلتفت إليها؟!

إن من أوجب الواجبات على الأمير أن يفرّغ -ولو بالقوة- رجالًا ينصرون الحق من خلال الكلمة كما يقيم المقاتل الحق من خلال البندقية، ولو خلا لجهاد من هذا العمل الجليل لما قدرنا على شرح أنفسنا ولا الرد على خصومنا ولا قدرنا على تجنيد شباب ورجال يملؤون الثغور والجبهات.

إن هذا عمل واجب وجوبًا كفائيًا، وإن فرَّط فيه أهل الجهاد أثموا كلهم بلا استثناء، وهو يعادل الجهاد والقتال، وهو من الجهاد، والعرب كانت تستأجر الحادي في السفر، وفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو سبب قوله: (يا أنجشة، رفقًا بالقوارير) ؛ روى البخاري في صحيح عن أنس بن مالك:"كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في سفرٍ،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت