{وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} ، وأنذر وبشّر المؤمنين في قوله تعالى في سورة الأعراف: {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وتكاد تحصر مهمة الأنبياء في هذا الأمر مع الشهادة على الخلق كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} ، وكل عمل آخر إنما هو خادم لهذا الحق العظيم؛ ذلك لأن ربنا -جل في علاه- يحب الإعذار، كما قال -سبحانه وتعالى-: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} ، وهذا كله يدل على عِظم الكلمة، وأنها المقصودة أصالة في عمل الأنبياء وأتباعهم، فمن أخّرها فقد أخّر ما أمر الله تقديمه.
ومن تأمَّل الكلمات المحيطة بهذا الدين وجدها كلها تعود إلى الكلمة؛ فالنبوّة من الإنباء، ولا يكون الإنباء إلا بها، كما أن الوحي كذلك، هو إنباء بخفاء، وكذلك الرسالة لا تكون إلا بالكلمة، ومنها الرسول، والقرآن من القراءة، وكذلك الكتاب، وفيهما حالة الكلمة في الوجود؛ أي مكتوبة ومقروءة، ولذلك كان أول أمر رباني لرسوله بقوله: {اقْرَأْ} ، وما يُفرض بعد هذه الأداة الأصلية من أدوات كالحديد والسلاح في تبليغ الدين لا يكون استقلالًا في كتاب الله تعالى، بل يكون معها بل بعدها كما تقدَّم، كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} ؛ فلا بد من كتاب وميزان.
والميزان هو الحكمة كما جاء تفسيره في آيات كثيرة، هذا في الدعوة وهو زائد عليها في القضاء وفضّ الخصومات وقيام الحقوق، فمن استقلّ عنده أمر الحديد بلا هداية القرآن فهو ضال مجرم سافك للدم الحرام، وفساده أكثر من صلاحه، هذا إن كان عنده صلاح، ولذلك كان من تحنُّن الصالحين لربهم وهم يسألونه مطالبهم في الإعانة أن جعلوا عِلَّة هذا الطلب أن يقوموا بعبادته على الوجه الذي يحبه منهم؛ فتأمل قول موسى -عليه السلام-، وهو الرجل الشديد الأزر يقول لربه تعالى وهو يسأله معونة أخيه هارون: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} وهو يطلبه لإعانته على أداء الكلمة على الوجه التام الذي يحقق القبول وإقامة الحجة كما قال تعالى عنه -عليه السلام-: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} وذلك لشعوره -عليه السلام- بحاجته لذلك كما قال تعالى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} .
وهذا كله تعليم لهذه الأمة دور الكلمة وأهميتها في الوجود، لا يهملها إلا جاهل، ولا يعرض عن تعلُّمها والقيام بشأنها إلا خاسر لمعركة الحياة بين الحق والباطل، ومن يؤخّرها كان أشبه بالطواغيت، يريد سوق الناس بالخوف والقهر، لا بالحب الذي عاشت به مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى أحبتهم الجبال فيها كما قال