هذا الأمر -وهو الأمر الأخير؛ أي زيادة السالكين طريق الحق لرؤيتهم اقتراب النصر، ولإبصارهم إمكان تحصيل مقاصدهم المتعددة من مواطن ما كنت أنت عليه وحيدًا، تعاني غربة الطريق ووحشته، ولكنك الآن مع حالة أخرى، وهي كثرة السالكين معك-، هذا الأمر يجب أن يُسعدك كما هو بيّن؛ ذلك لأن كثرتهم تعني ذهاب وحشتك وإزالة غربتك كما يظهر بادي الرأي.
ولكن لهذه الكثرة مشاكلها كذلك؛ ذلك لأن الآتين ليسوا سواءً، بل هم متشاكسون، مختلفون، ولهم أمزجة ومناهج مختلفة، ولهم تصوّرات متعددة لكيفية إدارة هذا السبيل، وبالتالي ليسوا على حالة من الإعانة لك، بل هم على حالة من المنافسة لك في واقع الأمر.
كيف لك أن تعالج هذه الظاهرة؟
مما ندركه من هؤلاء هو زعمهم امتلاك الحقيقة، وزعمهم الأكبر أنهم روّاد الطريق القادرين على إدارته خيرًا منك أيها التَّعِس الذي عانيت نار الوحدة والغربة، واصطليت بالطوالع الأولى للمحنة؛ فهم أساتذة في الابتداء، وهم يرون أن أول إنتاجهم الصحيح هو إزالتك من الطريق؛ فمنها لكونك تحمل تاريخًا امتلأ بالندوب والغمرات، فكثُر أعداؤك، وكثرت أخطاؤك، منها ما هو حق في تقديرهم للخطأ، ومنها ما هو باطل وافتراء، لكن هم يرون الإزالة ضرورةً لسلوك الطريق بلا تاريخ مثقل بالهموم والغمرات والندوب.
هؤلاء لا تاريخ لهم، وبالتالي لا أخطاء لهم؛ لأنهم في الحقيقة لم يفعلوا ليخطؤوا، مع أن تاريخ أصول أفعالهم كان خارج دائرة الصراع الذي عشتَه وتعبت فيه؛ فالكثير منهم كان راضيًا أن يعيش على هامش الجاهلية، وراضيًا بهذا العيش معها، بل متلائمًا مع الجاهلية وواقعها. لكن مع الحالة الجديدة؛ فهو يملك مقوّمات القيادة كما يُوهم نفسه، وبالتالي يجب أن يكون رأسًا في هذا السبيل!
هذه هي القضية، ذلك لأن الطريق يتّسع، وهذا الدين لا يمكن أن يحقّق مقاصده إلا بالأمة، وليس عن طريق فئة دون أخرى، وعدوّنا له القدرة على استيعاب المعركة مع مجموع الأمة زمنًا طويلًا، وبالتالي واقع الصراع يوجب دخول الجميع فيه ليُسقط الجاهلية؛ فالدين والواقع يوجبان الفرح والقبول لسلوك الجميع هذا السبيل، وهو يتّسع قدرًا وشرعًا لكل ألوان المسلمين بلا استثناء، ما دام عقد الإسلام صحيحًا عندهم.
لكن المشكلة في هذا الابن الضال الذي لا يرى تحركًا نحو أهدافه إلا بإزالتك، وهذا الوهم يحمله أهل الغلو، ويحمله المتميّع -بحسب قِسمة التعامل مع الحكام والمسلمين والجماعات والأحداث والنوازل-؛ فالكل يريد إزالتك، والعدو يريد إغلاق ملفّك، لأنك تزعجه بالتاريخ الذي يعرف أنك حصَّلت النصر فيه من بين أنيابه في مواقع متعدّدة.