إذًا الكل يريد قتل هذا الأب، ليخلو له الجو، وكل بحسب رؤيته وزاويته ..
إذًا ماذا تفعل؟
أنت أمام مهمة دينية لا دنيوية، وأمام اختبار إلهي جديد وخطير، ولا يجوز في مثل هذه المواقف الانسحاب ولا الزهد؛ إذ الموطن ليس موطن دنيا لتزهد فيه، ولا صراعًا في واقع الأمر على إمارة لتتخلى عنها؛ بل أنت أمام مهمة دينية عظيمة توجب عليك التصدّي لها، وخاصة أن الثمرة لم تحصل لأهل الإسلام بعد.
في النموذج النبوي الأول؛ قام الأنصار بمهمة الحفاظ على الدين، ودفعوا كل أموالهم وأرواح أبنائهم في سبيله، وجاءت الموعظة النبوية الشريفة لهم بقوله: (إنها ستكون بعدي أثَرَة وأمور تنكرونها) ، قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: (تؤدُّون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم) . متَّفق عليه من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.
وحديث أسيد بن خضير -رضي الله عنه- أن رجلًا من الأنصار قال: يا رسول الله! ألا تستعملني كما استعملت فلانًا؟ فقال: (إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) متفق عليه.
فحين تستقر معالم النصر والفتح؛ فالمطلوب ممن مهَّدوا له وحملوه في غِربته وتحمَّلوا مشاقَّ آلامه أن يتركوا هذا الأمر لجيل جديد؛ لأن لكل زمان رجاله ومن يقدر عليه، وهؤلاء ستصيبهم أثرة، وهذا من رحمة الله لهم؛ إذ ستكون حسناتهم مخبَّأة لهم عند ربهم بعد الموت؛ فما من نعمة يصيبها المرء في الدنيا إلا وهي مُذهبة لبعض نعيمه في الآخرة.
ولكن المشكلة تكمن عند مضايق الطريق، وأنت ترى أقوامًا يتخوَّضون في الدنيا، ولم يثبت عنهم في المواطن إلا قلة صبر وطول جزع، فما أن يقع في بلاء ومحنة حتى يُرى منه الجزع والتَّلفت لبيع هذا الطريق والقبول بالمداهنة الباطلة التي تُذهب النَّصر الذي يحبه الله لأهل هذا الدين.
هنا يُفهم من الأمر أنك أمام محنة جديدة تُوجب عليك الصبر والثبات.
وليست المسألة هنا صراع مناهج ولا أفكار، ولا هي في فرض رجال على رجال؛ لكن المسألة تتعلَّق بواقع النصر وطريقة الوصول إليه عندما تكون الأمة في بلائها في عنق الزجاجة.
هم يريدون منك التَّخلّي عن هدفك، وتركَ ما سلكته وحيدًا حتى أوصلته لمستقرّه؛ فيبيعوه رخيصًا على طريقتهم المعهودة في قبول المداهنة مع الجاهلية.