الشريعة، أو أنه بايعه على السمع والطاعة في طاعة الله والعمل بالشريعة، وهذا الحاكم يخدع الناس لهذا الشعار، والعالم إما أنه يعلم خداعه؛ فيمضي معه على الظاهر، أي على بيعة تقوم على اللفظ المسطور -وهو العمل بكتاب الله وسنة النبي من غير معصية-. أو أنه مخدوع به، جاهل بباطنه أو بواقعه.
فهذا كله خطأ يدل على جهل بتحقيق المناط، إما لغلطه في معرفة حكمه في الشريعة ابتداءً، وإما لخطئه في مناط الحكم المسؤول عنه، كمن يسأل عن مسألة هي ألصق بالإجارة وأحكامها، فيُلحقها بالبيوع وأحكامه، فيخطئ الحكم فيها، وهذا كحال من ذكرت أمره فيمن ظن أن كل عالم عمل عملًا للطاغوت هو موالٍ له، أو أعطاه صفقة قلبه.
والقصد مثلًا في موضوع البيعة المكفِّرة وغير المكفِّرة هو النظر لشرطها دون النظر لما سواها من خلائط تقع على نفس الجاهل الذي لا يُحسن تحقيق مناط الأحكام؛ فالبيعة التي يكفر فاعلها هي الطاعة المطلقة دون قيد الكتاب والسنة كما تفعل الجيوش، وقد ذكر بعضهم في مذكّراته العسكرية أنهم كانوا يشترطون لقبوله في العسكرية أن يُطيعهم حتى لو أُمر أن يزني بأمه!، فهذه البيعة والعقد مكفّر. وأما من اشترط العمل بالكتاب والسنة دون سواهما فلا يقال عنه أنه أعطى الطاغوت صفقة قلبه.
ولينتبه إلى أن هذا الحال لا يدخل فيه النظر إلى مكفّرات أخرى؛ فإن وُجدت نُظر لها بخصوصها، ولا تختلط بهذا الأمر في موضوع البيعة.
وهذا باب واسع جدًا، لا ينشط له ولا يتصوره على حقيقته إلا من مارس الفقه وخبر حاله فيه، وأما من علم أصول الدين التي يعلمها العوام، أو تعلَّم بابًا من أبواب الأحكام، أو مسائل الإيمان المجمل، ثم يذهب يخبط في هذا الباب ذات اليمين وذات الشمال؛ فهذا خلافه لا يعتدّ به، وقوله لا يدخل في كلام أهل العلم الذي يقال إن خلافهم سائغ واجتهادهم مقبول؛ بل هو عاصٍ كمعصية كل من أفتى بغير علم أو تكلم في الشريعة بجهل، متسوِّرًا فيها ما لا يعلمه، وهذا حال الكثيرين من الناس هذا اليوم.
والحكم على هذا الجاهل بالضلال هو مقتضى العلم والدليل، وأما الحكم عليه بوصفه من أهل البدع؛ فهذا إذا اطردت أحكامه على وجه من الوجوه، فيصبح محكومًا عليه بما تطَّرد عليه مجموع أحكامه: بغلو أو إرجاء، وكلاهما في دين الله خبث وضلال.
هذا أمر.
وأمر آخر يتعلق بعدل الرجل ودينه؛ فإن خلاف الفاسق ومن عُرف فساد أحكامه فيمن خالفه فهذا لا يقال لقوله إن له تأويلًا سائغًا، ولا يقال إن خلافه يُعتد به، فمن لم يُعرف بالعدل والإنصاف في أقواله -