فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 495

وخاصة مع من خالفه في أبواب العلم وفي هذا الخلاف، ولا يضعه موضعه اللائق به في منزلته دون إفراط ولا تفريط-؛ فإن أقواله باطلة وجاهلة، حتى لو كانت أصوله العامة صحيحة. ذلك لأن بعض أهل العلم تصح أقواله حين يأتيها تأصيلًا، لكنه حين يُعملها في الناس تختلف هذه الأحكام بين محب ومبغض؛ فهو يتوسَّع للمحب ما وسعه، ويتشدَّد مع المخالف ما وسعه.

وهذا الأمر حاله كحال المعدِّلين والمجرِّحين من علماء الحديث؛ إذ تجد فيهم المتشدِّد، كما تجد فيهم المتساهل، ويكون بينهما العادل المتوسِّط، فالعلماء يرجّحون هذا النوع من الحفاظ والحكام، وهو سبيل العقلاء ولا شك، والعدل يوجب هذا الترجيح عند كل منصف.

وكذلك ينظر أهل الحديث للمكثرين، لأن المكثِر له خبرة أكثر من غيره، وله اتصال وثيق بهذا الفن والعمل به؛ فالرجل الذي يقول القول والقولين في الرجلين أو أكثر ليس كمن خبِر هذا الصنف من الناس فوسَّع نظره إلى الجميع فوازن بينهم وقال فيهم الأقوال الكثيرة في الرجال الكثيرين.

فمن عُرف تشدُّده في الأحكام؛ يطلق كلمة الفسق وحكمه على كل أحد يخالفه، أو يكفّر بالظنون أو الأمور المحتملة، أو يضيّق جانب الإعذار والتأويل؛ فهذا لا يُعتدُّ بخلافه، بل إذا وُجد له مجموع أحكام بينة في غلطها في هذا الباب يلحق بالضالين. فإن كانت له سجيةً لم يُعدم أن يكون مبتدعًا على طريقة أهل البدع حتى لو ادَّعى انتسابه للسنة وبراءته من بدع الخوارج والغلاة.

ويشبه هذا من تساهل في أمر الدين وخفَّف أحكام الشريعة زاعمًا التسهيل على الناس؛ إذ يأتي إلى المخالف للإجماع فيعذره بعد إقامة الحجة عليه، فمثل هذا ضالٌّ ومفسد في الأرض كذلك، وقد كثر أهل الطائفتين في زماننا .. !

فالمتشدِّد جهلًا كما المتساهل جهلًا، كذلك المتشدّد غضبًا للنفس والهوى كالمتساهل بسبب الحب النفسي والهوى، كل ذلك ضلال يدخل صاحبه في الانحراف ويُخرجه عن حد العلم الصحيح، وقد يدخله في أهل البدع لزومًا.

فدعوى أن الخلاف في الأعيان والجماعات وتكفيرها خلاف سائغ لا يترتَّب عليه التَّبديع والتَّضليل ليس على إطلاقه، وإنما يكون ذلك إذا تحقَّق وجود المناط المكفّر، وهو الكفر المُجمَع عليه بذاته لا بلزومه ولا بمآله، وأن يصدر هذا من عالم به، له اشتغال بهذا النوع من العلم، وأن يصدر من رجل له عدل وصدق وإنصاف، وإلا كان من باب القول على الله بلا علم، وهو من أشد الموبقات كما قال تعالى: إِنَّمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت