بين الوقوف على المقاصد واعتبارها، وبين افترائها وتوهُّمها اختلاف مهم، فالسؤال للعالم: من أين استَقيت المقاصد؟
والجواب قرَّره الشاطبي في مقدمة (الموافقات) حيث جعل الفروع المتعدّدة مع ظنيَّتها هي التي تُنشئ العام والقاعدة والكلي؛ وبالتالي تصبح هذه الكلية بدليل الاستقراء واجتماع الظن المتضافر يقينية.
إذًا منشأ الكلي هو الجزئي، ثم يعود الكلي على الجزئي بالضبط لا بالإلغاء، ولو عاد الفرع -وهو هنا الكلي- على الأصل -وهو الخاص- بالإبطال لبطل الفرع، وهذا شيء لا يختلف فيه الناس.
إذًا بقي الواجب على الفقيه ألا يُنشئ حكمًا فيه القول الخاص بدليل كليٍّ عام، ولو فعل لكان جاهلًا عندهم بالنص على ذلك منهم. وإنما أرادوا الكلي لمقاصد:
• منها: فهم كليات الشريعة، لإدراك حكمة الشارع ونفس الرب في ذلك.
• ومنها: ضبط الكلي للفرعي، وذلك حين تتغيَّر شروط وموانع الواقعة مع حضور أسبابها؛ ذلك لأن الموانع أقوى من الأسباب كما هو مقرر، ففتوى العموم تختلف عن فتوى الخصوص، فقد تكون في الخصوص مستحبة وفي العموم واجبة كما شرح هذا الشاطبي في مقدماته في (الموافقات) ؛ وبالتالي تكون القاعدة ضابطة للخاص بسبب تغير الظروف المؤثرة قدرًا مع اعتبار الشارع لها بالنص، فلا يجوز إنشاء شروط ولا موانع لم يقل بها الشارع لهذا الخاص.
• ومنها: تميز الأحكام التي ظاهرها التشابه وليست كذلك؛ فبين الرواية والشهادة عموم وخصوص، وليست هي هي، وبين الإجارة والبيوع عموم وخصوص وليست هي هي؛ فبالقواعد الكلية يدرك الفقيه المجتهد هذه القضايا ويراعي العمل بها حين السؤال في الوقائع.
• ومن أعظم الفوائد هو: إعمال هذا الكلي على فرع لم يقم في نفس الفقيه دليل خاص به من النص؛ فيعمل هذا الكلي فيه حتى يعرف النص أو يحضره؛ فالكلي أفاد حكمًا مما حضر وكذلك يقيم حكمًا لما غاب، فهو أشبه بالسبب المنشئ للحكم كالعلة مع الافتراق بينهما كما يعلم الأصولي.
وقبل الذهاب للمقصود؛ لا بد من القول والتذكير بهذا: وهو أن ترتيب الأمور الكلية مهمة ضرورية للفقيه، فليست المسألة ذاتية ولا نسبية، وإلا لتحولت المقاصد إلى شهوات ذاتية للمفتي والمجتهد؛ يقدم ما قدمته نفسه، ويؤخر ما لا يحب ويرضى. وبهذا يتحول الدين، والذي هو وضعٌ إلهي جاء للجم الهوى