لتحقيق التعبُّد، ومنع الشهوة لتحقيق العدل والإحسان، لتحول هذا الدين إلى معنى الأديان الشهوانية، والتي مردها جميعا إلى علة اللذة في الجواز والمنع؛ فما حقق اللذة فهو الحسن وما منعها فهو القبيح.
وهذا وإن كان الفقيه المعاصر لا يقدر على القول به؛ إلا أننا نراه معمولًا به في قضايا فتوى متعددة، لا ينظرون لمقاصد وضع الشارع، ولا يقيمون شأنًا لمقاصد الغيب والآخرة وعمل القلوب، ولكن ينظرون إلى الشهوة الذاتية، ومعها يهتمون للعاجلة، وينسون الآخرة.
صلح الحديبية وفقه المقاصد:
مما وقع من البلاء في صلح الحديبية الذي سماه الله فتحًا، هو أنه جرى على غير هوى الصحابة -رضي الله عنهم-، ثم نزل القرآن بتسميته فتحًا؛ فما وجه هذه التسمية؟
في الحديث الذي رواه البخاري عن أنس -رضي الله عنه- في قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} ، قال:"الحديبية"، قال أصحابه:"هنيئًا مريئًا، فمالنا؟"، فأنزل الله: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} .
وفيه كذلك عن البراء -رضي الله عنه- قال:"تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية".
وهذا الذي قدمته من هذين النَّصين يراد منهما نفي من قال بأن صلح الحديبية إنما سُمي فتحًا على وجه تسمية الشيء بمآله، فهم يقولون بأن صلح الحديبية سُمي فتحًا لأنه كان كالسبب لفتح مكة فسمي بما آل إليه، وقول البراء ينفي هذا؛ فإنه جعل البيعة يوم الحديبية هي الفتح، وفي حوار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عمر -رضي الله عنه- يبيّن هذا جليًّا، وذلك حين سأله:"أفتح هو؟"، قال: (نعم، وأقسم على هذا) .
فهو إذًا فتح بذاته لما كان فيه نفسه من خير، وهو -ولا شك- فتح لما آل إليه من فتح مكة، وإن كان تسميته بالفتح لذاته هو الأول وهو الأصل والمقصود.
فلِمَ كان فتحًا بهذا الاعتبار -أي بنفسه هو-؟
والذي عندي وقد كتبته قديمًا هو التالي:
لقد كانت الحرب مستعرة بين المدينة بمن فيها من النبي المختار - صلى الله عليه وسلم -، والصحابة -رضي الله عنهم-، وبين العرب وعلى رأسهم قريش، وبالنظر إلى سيرة المعارك التي جرت بينهما؛ يرى المتأمل أن كلها كانت على الوجوه التالية: