• إما أنها سرايا ضاربة بسرعة لأطراف القوة المتمثلة بقريش -مثل بدر-؛ فهم إنما خرجوا للعير لا للقتال، فكانت العدة والعدد متناسقين مع هذا المعنى، ولكن قدر الله لها أن تجري معركة، لكنها كانت جزئية في السياق العام، وهي وإن كسرت الهيبة لقريش لكنها لم تمسَّ هيكل السلطة المهيمنة لقريش على العرب.
• وإما أنها جرت على وفق الهجوم الضارب لتدمير الكيان الناشئ الجديد، فتسير إليه قريش تحت هذا المقصد، كما جرى للأحزاب، وذلك لتقدير قريش أنها تملك القوة القادرة على هذا، بل نرى أسلوب الخندق الدفاعي يدل على هذا المعنى في نفس أهل المدينة أنفسهم.
• ويمكن وضع معركة أحد بين هذين الأمرين، وقريش إنما أرادت الثأر بها، وإن كان يمكن لهم استثمار هذا الثأر لولا عوامل الإيمان والقيادة في إبطال هذا المعنى.
وبالتالي كان هناك قتال بين طائفتين: طائفة تملك السِّيادة والقوة اللازمة لها، وطائفة صاعدة، ونفس الطائفة القائمة تقوم على الغرور وفرض منطقها على محيطها، وهي قادرة على تسيير القبائل معها لما لهم من السلطان عليهم.
كانت هناك مجموعة انتصارات لهذه القوة الصاعدة، تخلَّلتها هنَّات هي من طبيعة الوجود ابتداءً ومن طبيعة النبوة كذلك، كما في كلام هرقل مع أبي سفيان لما قال لهرقل:"الحرب بيننا سجال، لنا يوم وله يوم".
هذه الانتصارات تجمَّعت واقعًا دافعًا لبقاء الصعود، وهي أفضل من حال من بقي قائما مكانه؛ إذ منطق الوجود أن هذا الوقوف هو بذاته خسارة، وهو كذلك بالنسبة لقريش، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - عنهم: (أنهكتهم الحرب) .
كانت غزوة الأحزاب الخيار الأخير لإيقاف الاستنزاف، ولكنه خيار قد فشل، وبمنطق السنن قال - صلى الله عليه وسلم: (الآن نغزوهم ولا يغزونا) ؛ ذلك لأن قريش قد انتهت كقوة ضاربة في محيطها ضد المدينة المنورة.
وهنا لا بد من قضية مهمة، وهي النظر إلى المدينة كوجود فاعل في محيط الجزيرة، وليس فقط في نفسه؛ فهناك عالم يجب مراعاته في قضية غلبة الإسلام كأمة على هذا المحيط كله، وهذا الوجود -ككل مثيل له- يقوم على الغلبة والقهر وعلى التحالف كذلك.