فهرس الكتاب

الصفحة 386 من 495

كانت قريش قد فرضت نفسها كغالب على هذا المحيط بقوة، وهي كذلك تقوم بدور السيد لتحالفات هذا المحيط، تمثَّل هذا في غزوة الأحزاب.

كان همّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إبعاد قريش عن الواجهة للتفرغ للآخرين، ويأبى الله تعالى إلا أن يكون الضرب والمواجهة لهذا الطاغية الأكبر، لأن الله تعالى يُجري هذا الدين على خير ما يقع من الأقدار، ومراد النبي - صلى الله عليه وسلم - كمراد كل رحيم للعالم من أمته وغيرهم- يريد التفرغ للصغار وترك الكبار حتى يُجنِّب أمته الهلكة في دخولها مع الكبار ابتداءً، لما في ذلك من الخطر على أمته، ولما في الصراع مع الكبار من انشغال يطول لتحقيق النصر. فلربما قُضي على الصغير في صولة وجولة، ولكن القضاء على الكبير لا يقع إلا بنحت جداره جملة وراء جملة، وغزوة وراء غزوة حتى ينهك كفخّ الدب تمامًا.

بقي هذا الصعود الإسلامي متطورًا والخصم يعاني الثبات على موقعه، حتى حصل اللقاء في منتصف الطريق: هذا صاعد وهذا ثابت.

في داخل الخصم عوامل اهتراء: قريش قد أنهكتها الحرب، لكن هذا الداخل لا بد من أن يتجلَّى ظهورًا على مستوى المحيط والعالم، ولا بد من أن يسمع الناس صوت المرض في هذا الداخل، ولا بد من كشف هذا الاهتراء والضعف.

مظهر هذا كله هو في التحالفات.

كانت المدينة عارية من قوة التحالف على معنى الإمامة، أي بمنطق دخول الضعيف محميًا تحت القوي تحت مسمى التحالف، وقريش تملك هذا كله.

جاء صلح الحديبية ليكشف ما أحدثته المواجهة الطويلة والمتعدِّدة بين المدينة وقريش، وسمع الناس صوت الأنين في داخل الشيخ الهرم: قريش، وتمثَّل هذا بأن أجازت قريش أن ينفك المحيط عنها بعيدًا للتحالف تحت راية جديدة هي المدينة.

هذا هو أعظم الفتح على مستوى الوجود كله؛ إذ ليس كافيًا أن تحقق النصر، بل لا بد من استثماره رصيدًا يُقرّ به الخصم، ويسمح لك بمعادلته في الغلبة والتحالف وهيئة الأمم.

ومن أعجب ما أثمر هذا الفتح -أي هذا الاعتراف- أنه صار في جوَّانيته ونفسيَّته قادرًا أن يخاطب العالم كله بلغة:"أسلم تسلم"، وليس بمجرد لغة الدعوة والبلاغ فقط، ولم يكن هذا ليكون لولا أن تحقَّقت الغلبة على المحيط، وصارت قوة الخصم نازلة بقوة بعامل الزمن فقط، ذلك لأنها أنهكتها الحرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت