فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 495

لقد فتح لهم الباب ليدخل الناس في حلفه، وفتح لهم العالم ليخاطبوه بمنطق القوة، وقبلها تمَّ فتح النفوس أنهم بلغوا في بنائها أنهم لا يهابون أحدًا؛ فليست عندهم قريش بشيء، ولولا دافع القدر كما قال تعالى: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} لكانت كعصف مأكول تحت أرجلهم.

تحت هذا المقصد الكلي من بناء المدينة العظيمة التي ستأكل المدن، وتحت تحقيق معنى الإمامة للوجود كله في المشرق والمغرب، يمكن أن يُضحَّى بالجزئي هنا؛ من هنا كان صلح الحديبية فتحًا، وكان التغاضي عن بعض الجزئيات ضرورة يفرضها منطق المقصد الكلي لإمامة الوجود.

إذا كنا نضحي بمقاتلينا لتحقيق نصر في معركة؛ ألا نقدر أن نضحي ببعض رجالنا في البلاء من أجل تحقيق معركة الثبات على منصة إمامة الوجود!؟

بهذا سماه الله فتحًا بذاته، لأنك أسمعتَ العالم صوت قوَّتك، وصوت ضعف الطاغوت الأكبر قريش، ثم سمحت للعالم أن يعترف بك رقمًا كاملًا في معادلة المدافعة بينك وبينهم، أنت على الحق وهم على الباطل.

من أراد أن يدخل في حلف قريش فليدخل: هذا شيء موجود أصلًا، ولم يُعطَ من النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم، ولكن الجديد في الأمر هو الاعتراف بحلفك وسلطانك ووجودك المعادِل لجبروتهم التاريخي الطويل.

كل الألم الذي شعر به الصحابة يتعلق بإعادة المسلم منهم لقريش، وهذا شرحه الشافعي -رحمه الله- وأحسن فيه خير المقال، فقال كلامًا طويلًا رائعًا ثم خلص لقوله:"فإن ذهب ذاهب إلى رد أبي جندل بن سهيل إلى أبيه وعياش بن أبي ربيعة إلى أهله بما أعطاهم؛ قيل له: آباؤهم وأهلهم أشفق الناس عليهم، وأحرصهم على سلامتهم، ولعلهم كانوا سيَقُونهم بأنفسهم مما يؤذيهم، فضلًا عن أن يكونوا متهمين أن ينالوهم بتلف أو أمر لا يحتملونه من عذاب، وإنما نقموا منهم خلافهم دينهم ودين آبائهم، فكانوا يتشدَّدون عليهم ليتركوا دين الإسلام، وقد وضع الله عنهم المأثم في الإكراه، فقال: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} ".

ثم جعل يردّ بمن احتجَّ بهذا الصلح على جواز تسليم المسلم للكفار، ويبطل هذا الصلح بوجوه من العلم التي تليق بهذا الجبل العظيم -رحمه الله-.

والمقصد أن هذا الصلح وإن سمي صلحًا؛ إلا أنه إقرار الخصم بك وبوجودك وبقوتك، وحين أرادوا شيئًا من استبقاء ماء وجههم تحت هذا الاعتراف؛ فلْيُعطوا، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم: (والله ما سألوني خطة فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها) ، ذلك لعلمه بمنطق الحال أن قريش إنما تبحث عن بقاء ماء الوجه. وما جرى من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت