خصومات حول ألفاظ -كترك بسم الله الرحمن الرحيم وترك كلمة رسول الله- إنما هي صور عارضة لا تؤثر في واقع الحال، وكتابة الوثائق إنما تجري على معنى متفق بين الطرفين، وقريش لا تقر بالرحمن ولا الرحيم وتقر باسم الله، وهي لا تقر أن خصمها هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو أقل ذلك في الظاهر دون الباطن جحدًا منهم.
ومن عجائب المقدور في هذا الحدث أن الصحابة ردوه لا لجانب المصلحة ولكن لجانب النفس؛ فهم الأعلون بالحق كما قال الفاروق، وقريش السفلى بالباطل؛ فكيف يعطونها شيئًا؟!
وهذا وإن كان له اعتبار في النفس؛ لكن سيرة الوجود لا تقوم على هذه المعاني حين تكون الحسابات كليَّة تتعلَّق بالوجود كله وليست بمشاعرك؛ فالذين يُريدون سحب هذا الصلح لمصالحهم سيجدونه ضارًّا بهم لأنه آلم النفوس ولم يُرِحْها. وإنما مقصد الكثيرين من فتح باب المصالح الضعيفة والمُلغاة في الشرع هو إراحتهم من الهموم، وتركهم للتكاليف، والصحابة هاهنا تألموا من ترك القتال لا من القتال كما يريد البعض!.
هذا ما يسمح به الحال، وهو في الحقيقة مقدمة لفتح باب الرد على من ألغى المقاصد والمصالح بالكلية، ورد على من أراد فتحها بالهوى والتَّشهي، وهي إشارة لمن فهم فتح صلح الحديبية على غير وجهه، وإن يسَّر الله كان للمبحث نفسه مقال آخر يُفصَّل فيه ما أُبهم هنا وأجمل.
والحمد لله رب العالمين ..