اليوم وقد انتشر الجهل فينا، فنحن بحاجة لتقريب مناهج الكتب قبل الكتب نفسها، فأنا ممكن أن أشرح لك (الرسالة) في أسبوع، أي مواضيعها، لكن سأحتاج إلى ستة شهور لشرح منهجه، ونفس الكاتب في كتابه، ومحاولة اكتشاف الخزَّان العلمي الذي أفرز هذا الكتاب.
هذا ما كان يميز كتابًا عن كتاب، وعالمًا عن عالم. صدقني مرات لو جاز لي الرقص لرقصت حين أفهم شيئًا مما أخفاه العالم في طيات كلامه، أو أفهم ما حاول أن يخفيه عني.
قرأت مرة كلمة لابن تيمية في منهج مالك في (الموطأ) ، وأشار إلى عظمتها دون أن يشرح أفرادها، وصدقني إلى الآن أذهب مرات ومرات إلى (الموطأ) لأفهم مراد ابن تيمية ولا أجد معنى كلامه!.
وقطعًا هو لا يقصد مذهبه في البلاغات، ولا في الرجال، ولكن هو عندي يريد شيئًا آخر. فالمنهجية أخي -لمن سأل عن منهج الاختصار- لا يمكن أن تُكتب، فهي في اتّساعها كاتساع طرق التَّرجيح في الفقه، تجده أخصر كلام في كتب الأصول، وهو في الفقه ساحل لا ينتهي.
بالله عليكم، هل أحد منا يمكن له أن يذهب لكتاب أكثر من أربعمائة مرة، وفي كل مرة يجد معنى جديدًا فيه؟!.
هذا ما فعله الربيع مع (الرسالة) للشافعي، متعة القارئ الذكي كمتعة المفتّش عن الكنز المخفي، فكم هي متعة حين يرتقي إلى علم الكاتب ويفهم عليه ويصيد ما يريد؟!
من هنا كان العلماء يميّزون كلام السلف عن الخلف، ليس فقط في معانيها ولكن في تجدُّد هذه المعاني فيها كذلك في نفس القارئ مرة بعد مرة. كل هذا العلم مأخوذ من كلام ربنا، ما معنى الاستنباط؟ النَّبْط هو الحفر، بعض الكلام لا تحتاج للحفر فيه لتفهمه، وبعض الكلام تحتاج الليالي لتصل إلى مراد صاحبه، وكلما تعمَّقت كان الكنز اعظم!
وهذا هو سر كلام الله تعالى الذي هو منهج العلماء العظام، البارحة وأنا أتأمل قوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} ، فرحت فرحًا عظيما لما فهمته، فكتبته في (لحظات مع القرآن) ، ووالله بقي الكثير.
والحمد لله رب العالمين ..