فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 495

واعتبار المصالح بميزان الشرع هو النظر إلى الدليل الشرعي مقابلة للدليل الشرعي لا المصلحة التي نفاها الشاطبي مقابل النص كما يفعل بعض المعاصرين. هذه القاعدة الأهم في موضوع المصالح، ولتطبيق بعض وقائع الحياة النبوية على هذا يمكن الرد على من زعم أن المصلحة تنقض النص من خلال حالة صلح الحديبية ووقائعها.

صلح الحديبية والمصالح:

1 -ابتداء فإن صلح الحديبية صادر من النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو (نص) منه، والفقهاء احتجّوا به على هذا الوجه فأخذوا جواز الصلح مع الكفار الأصليين واختلفوا في مدة هذا الصلح واتفقوا على صور من هذا الصلح جوازًا وحرمة، فلا يصح وصف المجتهد في استدلاله بصلح الحديبية أنه مبني على المصلحة فقط دون (النص) ، بل هو النص النبوي والسنة الشريفة المتضمِّنان للمصلحة.

2 -وكذلك لا يجوز وصف فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن مبناه النظر الذاتي والاجتهاد الشخصي، بل دلّ كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - أن فعله نصٌّ من الله تعالى كقوله كما في الصحيح: (وإني رسول الله وهو ناصري ولست أعصيه) وذلك ردًّا على الفاروق -رضي الله عنه- لما حاوره وكلَّمه في بنود الصلح وما ظهر له فيها من إجحاف بحسب ما رأى. فدلَّ هذا أن الصلح أمر من الله تعالى وليس اجتهادًا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يجوز بناء دليل يسمى المصلحة في الشرع يُردّ به الكتاب والسنة.

وقول الصديق للفاروق:"فاستمسك بغرزه -أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تموت فوالله إنه على الحق"؛ دليل على أن الفعل في نظر الصديق حكم شرعي لا مدخل للنظر ولا الاجتهاد فيه.

يعرض على هذا الأمر الواضح قضايا في الصلح نأتي على بعضها:

1 -زعم المخالف أن رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلم إلى أهله إن جاء بغير إذنهم يخالفه قوله - صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يسلمه) والرد على هذا من كلام الشافعي -رحمه الله تعالى-:"إذا صالح الإمام على أن يبعث إليهم من جاء منهم أو يبعث إليهم عبدًا كان يقدر على بعثه منهم ممن لم يأتِه، لم يجز الصلح لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث إليهم منهم بأحد ولم يأمر أبا بصير وأصحابه بإتيانهم وهو يقدر على ذلك وإنما معنى (رددنا إليكم) لم نمنعه كما منعنا غيره". اهـ.

إذًا فهذا غير تسليم المسلمِ المسلمَ للكافر، ويشرح هذا بقوله:"إذا جاء أحد من رجال أهل الحرب إلى منزل الإمام نفسه وجاء من يطلبه من أوليائه خلَّى بينه وبينهم بأن لا يمنعه من الذهاب به وأشار على من أسلم أن لا يأتي منزله وأن يذهب في الأرض فإن أرض الله واسعة فيها مراغم كثيرة". اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت