فأين هذا مثلًا من دعوى البعض جواز تسليم المسلمين لغيرهم من أمرائهم بعد تأمينهم ودخولهم قبل الصلح والشرط ثم يخونونهم في هذا التأمين. وذلك عملًا بقواعد الكفر من تفعيل الجنسية الجاهلية؟! ولذلك قال الشافعي إعمالًا لهذا:"لو صالحنا قومًا من المشركين -على وفق صلح الحديبية- فكان في أيديهم أسير من غيرهم فأتانا لم يكن لنا ردّه عليهم من قِبل أنه ليس منهم وأنهم قد يمسكون عن قتل وتعذيب من كان فيهم إمساكًا لا يمسكونه لغيرهم". اهـ.
وهو يشرح هذا في قبول ردّ أبي جندل وأبي بصير لأهلم بقوله:"آباؤهم وأهلوهم أشفق الناس عليهم وأحرص على سلامتهم ولعلهم كانوا سيَقُوهم بأنفسهم مما يؤذيهم فضلًا على أن يكونوا متهمين على أن ينالوهم بتلف أو أمر لا يحتملونه من عذاب .."الخ كلامه -رحمه الله-. فهذا لا يعارض قوله - صلى الله عليه وسلم: (لا يسلمه) كما تقدَّم.
2 -زعمهم تخلّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله: (محمد رسول الله) - صلى الله عليه وسلم - إلى (محمد بن عبد الله) ، والرد على هذا أن العقود إنما مبناها على القاسم المشترك بين المتعاقدين وهذا هو القدر الجامع بينهما، وهذا تخلٍّ عن الاسم لا عن الحقيقة، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم: (إني رسول الله وإن كذبتموني) ، ولذلك من زعم جواز اتخاذ شعار الكفر عند الصلح احتجاجًا بهذا النص قول على الله تعالى الكذب والافتراء.
والمراد قد يترك الخير من أجل المصلحة، لكن ارتكاب الكفر لا يجوز إلا بالإكراه كما هو منصوص عليه ومثل هذا تركه - صلى الله عليه وسلم: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وكتابة: (باسمك اللهم) .
3 -زعمهم ترك العمرة التي أحرم لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفيد جواز ترك الواجب للمصلحة فإن العمرة إن عقدت وجبت. هذا داخل في قوله - صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطَّة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها) . ذلك لأن هذا ليس إيقافًا للجهاد كله بل إيقاف لمعركة، وليست هي المقصد، بل كما قال - صلى الله عليه وسلم: (إنا لم نجئ لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين) . فالقتال إذًا عارض ومؤدَّاه في وقته لا يوصل لمراد الخروج وهو العمرة بل يؤدي كما قال تعالى: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} ، وهذا هو من أعظم حرمات الله التي أراد تعظيمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ومن تأمل صلح الحديبية علم أنه إعمال للنصوص لا خروج عنها بحجّة المصلحة التي وصفها الشاطبي والتي يتَّسم بها الكثيرون لإبطال مقاصد الشرع من إقامة الدين في الناس والخلق والحياة.
والله الموفق ..