الإرادة بمفهومها العام قبل التحديدات الشرعية؛ أن المرء يريد أن يأكل فهو يعلم أنَّ الطعام هو الذي يردّ عنه الجوع الذي يعاني منه أو الطعام الذي يحصّل له القوّة، فهذا من العلم، ويعلم كذلك أن هذا طعام، ويعلم أن هذا الطعام اسمه كذا إلى آخره، وأنه حلال له إلى غير ذلك.
الشيء الثاني: قوّة الدافع. المقصود ليس فقط ما الذي يريده ولكن ما الذي أنشأه، فالمرء مثلًا -لا أريد أن أستعجل ولكن هذا هو الأصل-.
كذلك قوّة الدافع، قوّة الدافع هي شهوته أو هي حاجته، وتنشأ بقوة الصبر والشكر؛ قوّة الصبر لاحتمال العاقبة، وشكر الفاعل على النعمة التي أعطيت له.
إذًا الإرادة هي التي يُعلَّق بها الحكم على الفعل، فإذا خلت الإرادة لا ينبغي أن يُنسب الفعل إلى الفاعل وإن وقعت منه على ظاهرها. والإرادة تتكوّن من العلم، فلا إرادة بلا علم، وتتكوّن بقوّة الدافع. وقوّة الدافع هي التي تميّز مقصد المرء ما الذي أنشأ هذا الفعل.
فإذا تبيّن لنا هذا فالآن نأتي إلى موانع نسبة الإرادة إلى الفاعل في الظاهر.
إذًا هناك موانع تتعلّق بالعلم، وهناك موانع تتعلّق بقوّة الدافع، هذا هو الأصل. فالعلم إما أن يقابله الجهل الذي هو عدم العلم بالكلية، وإما أن يقابله جهل خاص وهو فهم الأمر على غير جهته وفهم الخطاب على غير جهته. هذا الأول يُسمى الجهل، الثاني يُسمى التأويل. بمعنى أنه يمكن للمرء ألا يعلم أمر الآمر بالمرّة، فهذا مشكلته أنه جاهل. فلو كان هناك مثلًا طفل أو ابن في البيت لا يعلم أمر أبيه في هذه المسألة فيتصرّف من جهته ظانًا أنه ليس لأبيه أمر فيها، هذا جاهل. لكن قد يخاطبه أبوه أو أن يخاطب الرجل خادمه فيقول له اطبخ لي هذا الطعام فيقع هذا الأمر على غير جهة مراد الطالب ولكن الفاعل يقوم به ظانًا أنه مراد الأب الطالب. فالأول هو الجهل، الثاني هو التأويل. هذه الخلاصة.
والتأويل هو انتقال الأمر أو انتقال الحرف من حالة إلى حالة. لأن الخطاب له حالات، إما باللفظ، وإما بالتصوّر الذهني، وإما بالكتابة، وإما بوقوعه على حقيقته. تحوّل الخطاب من حالة إلى حالة هذا اسمه التأويل يعني آل، فمثلًا أنت تخاطبه بخطاب فيؤول هذا الخطاب في التطبيق إلى صورة من الصور، أو أن تخاطبه بخطاب فيفسّره تفسيرًا ما فيؤول أي يتحوّل من حالة إلى حالة.
هذا هو التأويل، وأنا شرحته كثيرًا ولكن هنا أنا أعطي لطلبة العلم رؤوس أقلام أرجو أن تُفهم وألا يُعاد عليَّ بالأسئلة من جهتها.